تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 11 ]

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) أجمعوا على أن المراد هاهنا الوليد بن المغيرة ، وفي نصب قوله وحيدا وجوه الأول : أنه نصب على الحال ، ثم يحتمل أن يكون حالا من الخالق وأن يكون حالا من المخلوق ، وكونه حالا من الخالق على وجهين الأول : ذرني وحدي معه فإني كاف في الانتقام منه والثاني : خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد ، وأما كونه حالا من المخلوق ، فعلى معنى أني خلقته حال ما كان وحيدا فريدا لا مال له ، ولا ولد كقوله :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 94 ] ، القول الثاني : أنه نصب على الذم ، وذلك لأن الآية نزلت في الوليد وكان يلقب بالوحيد ، وكان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ، ليس لي في العرب نظير ، ولا لأبي نظير . فالمراد ذرني ومن خلقت أعني وحيدا . وطعن كثير من المتأخرين في هذا الوجه ، وقالوا : لا يجوز أن يصدقه اللّه في دعواه أنه وحيد لا نظير له ، وهذا السؤال ذكره الواحدي وصاحب الكشاف ، وهو ضعيف من وجوه الأول : أنا لما جعلنا الوحيد اسم علم فقد زال السؤال لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة الثاني : لم لا يجوز أن يحمل على كونه وحيدا في ظنه واعتقاده ؟ ونظيره قوله تعالى :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 49 ] الثالث : أن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف ، بل هو كان يدعى لنفسه أنه وحيد في هذه الأمور . فيمكن أن يقال : أنت وحيد لكن في الكفر والخبث والدناءة القول الثالث : أن وحيدا مفعول ثان لخلق ، قال أبو سعيد الضرير : الوحيد الذي لا أب له ، وهو إشارة إلى الطعن في نسبه كما في قوله :
عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
[ القلم : 13 ] .

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 12 ]

وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً ( 12 ) في تفسير المال الممدود وجوه الأول : المال الذي يكون له مدد يأتي من الجزء بعد الجزء على الدوام ، فلذلك فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر شهر وثانيها : أنه المال الذي يمد بالزيادة ، كالضرع والزرع وأنواع التجارات وثالثها : أنه المال الذي امتد مكانه ، قال ابن عباس : كان ماله ممدودا ما بين مكة إلى الطائف [ من ] الإبل والخيل والغنم / والبساتين الكثيرة بالطائف والأشجار والأنهار والنقد الكثير ، وقال مقاتل : كان له بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا ، فالممدود هنا كما في قوله :
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
[ الواقعة : 30 ] أي لا ينقطع ورابعها : أنه المال الكثير وذلك لأن المال الكثير إذا عدد فإنه يمتد تعديده ، ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال بعضهم : ألف دينار ، وقال آخرون : أربعة آلاف وقال آخرون : ألف ألف ، وهذه التحكمات مما لا يميل إليها الطبع السليم .

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 13 ]

وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) فيه وجهان الأول : بنين حضورا معه بمكة لا يفارقونه البتة لأنهم كانوا أغنياء فما كانوا محتاجين إلى مفارقته لطلب كسب ومعيشة وكان هو مستأنسا بهم طيب القلب بسبب حضورهم والثاني : يجوز أن يكون المراد من كونهم شهودا أنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل وعن مجاهد : كانوا عشرة ، وقيل : سبعة كلهم رجال الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 704 | فخر الدين الرازي