[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 18 ]
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 )
يقال : فكر في الأمر وتفكر إذا نظر فيه وتدبر ، ثم لما تفكر رتب في قلبه كلاما وهيأه وهو المراد من قوله :
فَقَدَرَ
. ثم قال تعالى :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 19 ]
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 )
وهذا إنما يذكر عند التعجب والاستعظام ، ومثله قولهم : قتله اللّه ما أشجعه ، وأخزاه اللّه ما أشعره ، ومعناه أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك ، وإذا عرفت ذلك فنقول إنه يحتمل هاهنا وجهين أحدهما : أنه تعجيب من قوة خاطره ، يعني أنه لا يمكن القدح في أمر محمد عليه السلام بشبهة أعظم ولا أقوى مما ذكره هذا القائل والثاني : الثناء عليه على طريقة الاستهزاء ، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط . ثم قال :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 20 ]
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 )
والمقصود من كلمه ،
ثُمَّ
هاهنا الدلالة على أن الدعاء عليه في الكرة الثانية أبلغ من الأولى . ثم قال :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 21 ]
ثُمَّ نَظَرَ ( 21 )
والمعنى أنه أولا : فكر وثانيا : قدر وثالثا : نظر في ذلك المقدر ، فالنظر السابق للاستخراج ، والنظر اللاحق للتقدير ، وهذا هو الاحتياط . فهذه المراتب الثلاثة متعلقة بأحوال قلبه . / ثم إنه تعالى وصف بعد ذلك أحوال وجهه ، فقال :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 22 ]
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 )
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أن قوله :
عَبَسَ وَبَسَرَ
يدل على أنه كان عارفا في قلبه صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا أنه كان يكفر به عنادا ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه بعد أن تفكر وتأمل قدر في نفسه كلاما عزم على أنه يظهره ظهرت العبوسة في وجهه ولو كان معتقدا صحة ذلك الكلام لفرح باستنباطه وإدراكه ، ولكنه لما لم يفرح به علمنا أنه كان يعلم ضعف تلك الشبهة ، إلا أنه لشدة عناده ما كان يجد شبهة أجود من تلك الشبهة ، فلهذا السبب ظهرت العبوسة في وجهه الثاني : ما
روي أن الوليد مر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ حمّ السجدة فلما وصل إلى قوله :
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
[ فصلت : 13 ] أنشده الوليد باللّه وبالرحم أن يسكت ،
وهذا يدل على أنه كان يعلم أنه مقبول الدعاء صادق اللهجة ، ولما رجع الوليد قال لهم : واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه ، فقالت قريش : صبأ الوليد ولو صبأ لتصبأن قريش كلها . فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، ثم دخل عليه محزونا فقال مالك : يا ابن الأخ ؟ فقال : إنك قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه وهذه