تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
إجراء قوله :
لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
على ظاهره أولى لأن انتفاع الإنس بذلك أتم وأكمل . المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بقوله :
لِنَفْتِنَهُمْ
على أنه تعالى يضل عباده ، والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هي الاختبار كما يقال : فتنت الذهب بالنار لا خلق الضلال ، واستدلت المعتزلة باللام في قوله
لِنَفْتِنَهُمْ
على أنه تعالى إنما يفعل لغرض ، وأصحابنا أجابوا أن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق اللّه . وقوله تعالى :
وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ
أي عن عبادته أو عن موعظته ، أو عن وحيه . يسلكه ، وقرئ بالنون مفتوحة ومضمومة أي ندخله عذابا ، والأصل نسلكه في عذاب كقوله :
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
[ المدثر : 42 ] إلا أن هذه العبارة أيضا مستقيمة لوجهين الأول : أن يكون التقدير نسلكه في عذاب ، ثم حذف الجار وأوصل الفعل ، كقوله :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ
[ الأعراف : 155 ] والثاني : أن يكون معنى نسلكه أي ندخله ، يقال : سلكه وأسلكه ، والصعد مصدر صعد ، يقال : صعد صعدا وصعودا ، فوصف به العذاب لأنه ( يصعد ) « 1 » فوق طاقة المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه ، ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح ، يريد ما شق علي ولا غلبني ، وفيه قول آخر وهو ما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن صعدا جبل في جهنم ، وهو صخرة ملساء ، فيكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة ، فإذا بلغ أعلاها جذب إلى أسفلها ، ثم يكلف الصعود مرة أخرى ، فهذا دأبه أبدا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى :
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
[ المدثر : 17 ] . النوع الثالث : من جملة الموحى قوله تعالى :

[ سورة الجن ( 72 ) : آية 18 ]

وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : التقدير : قل أوحي إلي أن المساجد للّه ، ومذهب الخليل أن التقدير : ولأن المساجد للّه فلا تدعوا ، فعلى هذا اللام متعلقة ، [ بلا تدعوا ، أي ] « 2 » فلا تدعوا مع اللّه أحدا في المساجد لأنها للّه خاصة ، ونظيره قوله :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ
على معنى ، ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ، أي لأجل هذا المعنى فاعبدون . المسألة الثانية : اختلفوا في المساجد على وجوه أحدها : وهو قول الأكثرين : أنها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر اللّه ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين ، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع والكنائس ، فأمر اللّه المسلمين بالإخلاص والتوحيد وثانيها : قال الحسن : أراد بالمساجد البقاع كلها قال عليه الصلاة والسلام : « جعلت لي الأرض مسجدا » كأنه تعالى قال : الأرض كلها مخلوقة للّه تعالى فلا تسجدوا عليها لغير خالقها وثالثها : روي عن الحسن أيضا أنه قال : المساجد هي الصلوات فالمساجد على هذا القول جمع مسجد بفتح / الجيم والمسجد على هذا القول مصدر بمعنى السجود ورابعها : قال سعيد بن جبير : المساجد الأعضاء التي يسجد العبد عليها وهي سبعة القدمان والركبتان واليدان والوجه ، وهذا القول اختيار ابن الأنباري ، قال : لأن هذه الأعضاء هي التي يقع السجود عليها وهي مخلوقة للّه تعالى ، فلا ينبغي أن يسجد
هامش
( 1 ) في الكشاف للزمخشري ( يتصعد ) 4 / 170 ط . دار الفكر . ( 2 ) زيادة من الكشاف 4 / 170 ط . دار الفكر .