بالسيف ، وهو أشد على المعمول به ذلك العمل لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ، ومعناه : لأخذنا بيمينه ، كما أن قوله :
لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
لقطعنا وتينه وهذا تفسير بين وهو منقول عن الحسن البصري القول الثاني : أن اليمين بمعنى القوة والقدرة وهو قول الفراء والمبرد والزجاج ، وأنشدوا قول الشماخ :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين
والمعنى لأخذ منه اليمين ، أي سلبنا عنه القوة ، والباء على هذا التقدير صلة زائدة ، قال ابن قتيبة : وإنما قام اليمين مقام القوة ، لأن قوة كل شيء في ميامنه والقول الثالث : قال مقاتل :
لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
يعني انتقمنا منه بالحق ، واليمين على هذا القول بمعنى الحق ، كقوله تعالى :
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
[ الصافات : 28 ] أي من قبل الحق .
اعلم أن حاصل هذه الوجوه أنه لو نسب إلينا قولا لم نقله لمنعناه عن ذلك إما بواسطة إقامة الحجة فإنا كنا نقيض له من يعارضه فيه ، وحينئذ يظهر للناس كذبه فيه ، فيكون ذلك إبطالا لدعواه وهدما لكلامه ، وإما بأن نسلب عنده القدرة على التكلم بذلك القول ، وهذا هو الواجب في حكمة اللّه تعالى لئلا يشتبه الصادق بالكاذب .
المسألة الثانية : الوتين هو العرق المتصل من القلب بالرأس الذي إذا قطع مات الحيوان قال أبو زيد :
وجمعه الوتن و [ يقال ] ثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه ، قال ابن قتيبة : ولم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه ، فكان كمن قطع وتينه ، ونظيره
قوله عليه السلام : « ما زالت أكله خيبر تعاودني فهذا أو ان انقطاع أبهري »
والأبهر عرق يتصل بالقلب ، فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال : هذا أو أن يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره . ثم قال :
[ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 47 ]
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 )
قال مقاتل والكلبي معناه ليس منكم أحد يحجزنا عن ذلك الفعل ، قال الفراء والزجاج : إنما قال حاجزين في صفة أحد لأن أحدا هنا في معنى الجمع ، لأنه اسم يقع في النفي العام مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ومنه قوله تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
[ البقرة : 285 ] وقوله :
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ
[ الأحزاب : 32 ] واعلم أن الخطاب في قوله :
فَما مِنْكُمْ
للناس .
واعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن تنزيل من اللّه الحق بواسطة جبريل على محمد الذي من صفته أنه ليس بشاعر ولا كاهن ، بين بعد ذلك أن القرآن ما هو ؟ فقال :
[ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 48 ]
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 48 )
وقد بينا في أول سورة البقرة [ 2 ] في قوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
ما فيه من البحث . ثم قال :
[ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 49 ]
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ( 49 )
له بسبب حب الدنيا ، فكأنه تعالى قال : أما من اتقى حب الدنيا فهو يتذكر بهذا القرآن وينتفع . وأما من مال إليها فإنه يكذب بهذا القرآن ولا يقربه .