في هذه السورة :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
[ القمر : 52 ، 53 ] ، ثالثها : هو جواب قولهم :
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
أي ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر . ثم قال تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 4 ]
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 )
إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد ، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة ، و . أقام الدليل على صدقه ، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفا لهم ، وهذا هو الترتيب الحكمي ، ولهذا قال بعد الآيات :
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
[ القمر : 5 ] أي هذه حكمة بالغة ، والأنباء هي الأخبار العظام ، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقع قال :
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
[ النمل : 22 ] لأنه كان خبرا عظيما وقال :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
[ الحجرات : 6 ] أي محاربة أو مسالمة وما يشبهه من الأمور العرفية ، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال ، وكذلك قال تعالى :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ *
[ آل عمران : 44 ] فكذلك الأنباء هاهنا ، وقال تعالى عن موسى :
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ
[ القصص : 29 ] حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء عظيم يصلح أن يقال له : نبأ / ولم يقصده ، والظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم :
المراد القرآن ، وتقديره جاء فيه الأنباء ، وقيل قوله :
جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ
يتناول جميع ما ورد في القرآن من الزواجر والمواعظ وما ذكرناه أظهر لقوله :
فِيهِ مُزْدَجَرٌ
وفي :
ما
وجهان أحدهما : أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما : موصوفة تقديره : جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر وهذا أظهر والمزدجر فيه وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار ، كالمرتقى ، ولفظ المفعول بمعنى المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي .
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 5 ]
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 )
ثم قال تعالى :
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
وفيه وجوه الأول : على قول من قال :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ
المراد منه القرآن ، قال :
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
بدل كأنه قال : ولقد جاءهم حكمة بالغة ثانيها : أن يكون بدلا عن ما في قوله :
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
الثاني : حكمة بالغة خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه حكمة بالغة والإشارة حينئذ تحتمل وجوها أحدها : هذا الترتيب الذي في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون وانقضى حكمة بالغة ثانيها : إنزال ما فيه الأنباء :
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
ثالثها : هذه الساعة المقتربة والآية الدالة عليها حكمة الثالث :
قرئ بالنصب فيكون حالا وذو الحال ما في قوله :
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
أي جاءكم ذلك حكمة ، فإن قيل : إن كان
ما
موصولة تكون معرفة فيحسن كونه ذا الحال فأما إن كانت بمعنى جاءهم من الأنباء شيء فيه ازدجار يكون منكرا وتنكير ذي الحال قبيح نقول : كونه موصوفا يحسن ذلك .
وقوله :
فَما تُغْنِ النُّذُرُ
فيه وجهان أحدهما : أن ما نافية ، ومعناه أن النذر لم يبعثوا ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الحق ، وإنما أرسلوا مبلغين وهو كقوله تعالى :
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
[ الشورى :
48 ] ويؤيد هذا قوله تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
[ القمر : 6 ] أي ليس عليك ولا على الأنبياء الإغناء والإلجاء ، فإذا