كالمعتق والمعتق ، فيكون على التقدير الأول عبثا ، وعلى التقدير الثاني كذبا ، وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير ، وحينئذ يسقط الاستدلال به ، وفي الآية وجه آخر : وهو أن معنى قوله :
هِيَ مَوْلاكُمْ
أي لا مولى لكم ، وذلك لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له ، كما يقال : ناصره الخذلان ومعينه البكاء ، أي لا ناصر له ولا معين ، وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى :
وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
[ محمد : 11 ] ومنه قوله تعالى :
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
[ الكهف : 29 ] . ثم قال تعالى :
[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 16 ]
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 16 )
[ في قوله تعالى
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
] وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ الحسن : ( ألما يأن ) ، قال ابن جني : أصل لما لم ، ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل ، ولما نفي لقوله قد يفعل ، وذلك لأنه لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما ، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا ، فقالوا : لما قمت قام زيد ، أي وقت قيامك قام زيد ، وأما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها دون مجزومها ، فيجوز أن تقول : جئت ولما ، أي ولما يجيء ، ولا يجوز أن يقول : جئت ولم .
وأما الذين قرءوا :
أَ لَمْ يَأْنِ
فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأني إذا جاء إناء أتاه أي وقته . وقرئ :
( ألم يئن ) ، من أن يئين بمعنى أنى يأني .
المسألة الثانية : اختلفوا في قوله :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
فقال بعضهم : نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع ، والقائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمنا في الحقيقة إلا مع خشوع القلب ، فلا يجوز أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن ، وقال آخرون : بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة ، / لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية ، وقد لا يكون كذلك ، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوها أحدها : لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة ، فحثوا عليه بهذه الآية وثانيها : لعل قوما كان فيهم خشوع كثير ، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها ، عن الأعمش قال : إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية ، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر : أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب ، وأما قوله :
لِذِكْرِ اللَّهِ
ففيه قولان : الأول : أن تقدير الآية ، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر اللَّه ، أي مواعظ اللَّه التي ذكرها في القرآن ، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل والقول الثاني : أن الذكر مضاف إلى المفعول ، والمعنى لذكر هم اللَّه ، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر ، وقوله تعالى :
وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
فيه مسائل :
المسألة الأولى : ( ما ) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول ، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزل من الحق ، ثم قال ابن عباس في قوله :
وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
يعني القرآن .
المسألة الثانية : قال أبو علي : قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم ،
وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
خفيفة ، وقرأ