ظلمة فتطفئ نور المنافقين ، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين :
انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
كقبس النار .
المسألة الخامسة : ذكروا في المراد من قوله تعالى :
قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
وجوها أحدها :
أن المراد منه : ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك ، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية ، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة ، والمراد من ضرب السور ، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها : قال أبو أمامة : الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثم المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق :
انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
فيقال لهم :
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
قال : وهي خدعة خدع بها المنافقون ، كما قال :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ النساء : 142 ] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا ، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبا بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال أبو مسلم : المراد من قول المؤمنين :
ارْجِعُوا
منع المنافقين عن الاستضاءة ، كقول الرجل لمن يريد القرب منه : وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله :
ارْجِعُوا
أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب البتة ، لا أنه أمر لهم بالرجوع .
قوله تعالى :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اختلفوا في السور ، فمنهم من قال : المراد منه الحجاب والحيلولة أي / المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين ، وقال آخرون : بل المراد حائط بين الجنة والنار ، وهو قول قتادة ، وقال مجاهد : هو حجاب الأعراف .
المسألة الثانية : الباء في قوله :
بِسُورٍ
صلة وهو للتأكيد والتقدير : ضرب بينهم سور كذا ، قاله الأخفش ، ثم قال :
لَهُ بابٌ
أي لذلك السور باب
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ
أي في باطن ذلك السور الرحمة ، والمراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين
وَظاهِرُهُ
يعني وخارج السور
مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
أي من قبله يأتيهم العذاب ، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة ، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب ، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السور ، ولذلك السور باب ، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور ، والكافرون يبقون في العذاب والنار . ثم قال تعالى :
[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 14 ]
يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 )
[ في قوله تعالى
يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
إلى قوله
حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ
] وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول :
أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
في الدنيا والثاني :
أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
في العبادات والمساجد والصلوات والغزوات ، وهذا القول هو المتعين .
المسألة الثانية : البعد بين الجنة والنار كثير ، لأن الجنة في أعلى السماوات ، والنار في الدرك الأسفل ، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك ، ولا يمكن أن يقال : إن اللَّه عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء جدا ، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت ، فعلمنا أن البعد لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا ، ثم حكى تعالى : أن المؤمنين