تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
المكلف يحتاج إلى يقين يميز الحق من الباطل ، ليعتقد الحق ويميز الخير / من الشر ليفعل الخير ، لكن في الحق ينبغي أن يكون جازما لاعتقاد مطابقه ، والظان لا يكون جازما ، وفي الخير ربما يعتبر الظن في مواضع ، ويحتمل أن يقال المراد من الحق هو اللّه تعالى ، ومعناه أن الظن لا يفيد شيئا من اللّه تعالى ، أي الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون يدل عليه قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ *
[ الحج : 6 ] وفيه لطيفة ، وهي أن اللّه تعالى في ثلاثة مواضع منع من الظن ، وفي جميع تلك المواضع كان المنع عقيب التسمية ، والدعاء باسم موضعان منها في هذه السورة أحدهما : قوله تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
[ النجم : 23 ] . والثاني : قوله تعالى :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
، والثالث : في الحجرات ، قال اللّه تعالى :
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
[ الحجرات : 11 ، 12 ] عقيب الدعاء بالقلب ، وكل ذلك دليل على أن حفظ اللسن أولى من حفظ غيره من الأركان ، وأن الكذب أقبح من السيئات الظاهرة من الأيدي والأرجل ، وهذه المواضع الثلاثة أحدها : مدح من لا يستحق المدح كاللّات والعزى من العزو ثانيها : ذم من لا يستحق الذم ، وهم الملائكة الذين هم عباد الرحمن يسمونهم تسمية الأنثى وثالثها : ذم من لم يعلم حاله ، وأما مدح من حاله لا يعلم ، فلم يقل فيه : لا يتبعون إلا الظن ، بل الظن فيه معتبر ، والأخذ بظاهر حال العاقل واجب . ثم قال تعالى :

[ سورة النجم ( 53 ) : آية 29 ]

فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما كان عليك ، وأكثر المفسرين يقولون : بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى :
فَأَعْرِضْ
منسوخ بآية القتل وهو باطل ، فإن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال ، فكيف ينسخ به ؟ وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] ثم لما لم ينفع ، قال له ربه : فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان ، فإنهم لا يتبعون إلا الظن ، ولا يتبعون الحق ، وقابلهم بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقابلة ، فكيف يكون منسوخا ، والإعراض من باب أشكاه والهمزة فيه للسلب ، كأنه قال : أزل العرض ، ولا تعرض عليهم بعد هذا أمرا ، وقوله تعالى :
عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا
لبيان تقديم فائدة العرض والمناظرة ، لأن من لا يصغي إلى القول كيف يفهم معناه ؟ وفي
ذِكْرِنا
وجوه الأول : القرآن الثاني : الدليل والبرهان الثالث : ذكر اللّه تعالى ، فإن من / لا ينظر في الشيء كيف يعرف صفاته ؟ وهم كانوا يقولون : نحن لا نتفكر في آلاء اللّه لعدم تعلقنا باللّه ، وإنما أمرنا مع من خلقنا ، وهم الملائكة أو الدهر على اختلاف أقاويلهم وتباين أباطيلهم ، وقوله تعالى :
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
إشارة إلى إنكارهم الحشر ، كما قالوا
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا *
[ المؤمنون : 37 ] وقال تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا
[ التوبة : 38 ] يعني لم يثبتوا وراءها شيئا آخر يعملون له ، فقوله
عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا
إشارة إلى إنكارهم الحشر ، لأنه إذا ترك النظر في آلاء اللّه تعالى لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه . وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه ، فلا يبقى إذن فائدة في الدعاء ، واعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان طبيب القلوب ، فأتى على ترتيب الأطباء ، وترتيبهم أن الحال إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء ، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي ، ثم إذا عجزوا عن المداواة
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 260 | فخر الدين الرازي