لِمَنْ يَشاءُ
كان المكلف مترددا لا يعلم مشيئته فقال :
وَيَرْضى
ليعلم أنه العابد الشاكر لا المعاند الكافر ، فإنه تعالى قال :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
[ الزمر : 7 ] فكأنه قال :
لِمَنْ يَشاءُ
ثم قال :
وَيَرْضى
بيانا لمن يشاء ، وجواب آخر على قولنا : لا تغني شفاعتهم شيئا ممن يشاء ، هو أن فاعل يرضى المدلول عليه لمن يشاء كأنه قال ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة شيئا صالحا فيحصل به رضاه كما قال : ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة وحينئذ يكون يرضى للبيان لأنه لما قال :
لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ
إشارة إلى نفي كل قليل وكثير كان اللازم عنده بالاستثناء أن شفاعتهم تغني شيئا ولو كان قليلا ويرضى المشفوع له ليعلم أنها تغني أكثر من اللازم بالاستثناء ، ويمكن أن يقال
وَيَرْضى
لتبيين أن قوله
يَشاءُ
ليس المراد المشيئة التي هي الرضا ، فإن اللّه تعالى إذا شاء الضلالة بعبد لم يرض به ، وإذا شاء الهداية رضي فقال :
لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى
ليعلم أن المشيئة ليست هي المشيئة العامة ، إنما هي الخاصة . ثم قال تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 27 ]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 )
وقد بينا ذلك في سورة الطور واستدللنا بهذه الآية ونذكر ما يقرب منه هاهنا فنقول
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
/ هم الذين لا يؤمنون بالرسل ولا يتبعون الشرع ، وإنما يتبعون ما يدعون أنه عقل فيقولون أسماء اللّه تعالى ليست توقيفية ، ويقولون الولد هو الموجود من الغير ويستدلون عليه بقول أهل اللغة : كذا يتولد منه كذا ، يقال الزجاج يتولد من الآجر بمعنى يوجد منه ، وكذا القول في بنت الكرم وبنت الجبل ، ثم قالوا الملائكة وجدوا من اللّه تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن يقال سجدت الملائكة فقالوا : بنات اللّه ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى
أي كما سمي الإناث بنات . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : كيف يصح أن يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أنهم لما كانوا لا يجزمون به كانوا يقولون لا حشر ، فإن كان فلنا شفعاء يدل عليه قوله تعالى :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] ثانيهما : أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه [ الحق ] وهو ما ورد به الرسل .
المسألة الثانية : قال بعض الناس أنثى فعلى من أفعل يقال في فعلها آنث ويقال في فاعلها أنيث يقال حديد ذكر وحديد أنيث ، والحق أن الأنثى يستعمل في الأكثر على خلاف ذلك بدليل جمعها على إناث .
المسألة الثالثة : كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث ؟ نقول عنه جوابان أحدهما : ظاهر والآخر دقيق ، أما الظاهر فهو أن المراد بيان الجنس ، وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لما جاء على وفقه آخر الآيات .
والدقيق هو أنه لو قال يسمونهم تسمية الإناث كان يحتمل وجهين : أحدهما : البنات وثانيهما : الأعلام المعتادة للإناث كعائشة وحفصة ، فإن تسمية الإناث كذلك تكون فإذا قال تسمية الأنثى تعين أن تكون للجنس وهي البنت والبنات ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنهم لما قيل لهم إن الصنم جماد لا يشفع وبيّن لهم إن أعظم أجناس