تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وهذه الآية فيها فوائد كثيرة ، ولنذكرها على وجه الاستقصاء ، فنقول أما تعلقها بما قبلها فلوجوه أحدها : أنه تعالى لما قال :
وَذَكِّرْ
[ الذاريات : 55 ] يعني أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة ، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع للزمان الثاني : هو أنا ذكرنا مرارا أن شغل الأنبياء منحصر في أمرين عبادة اللّه وهداية الخلق ، فلما قال تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
[ الذاريات : 54 ] بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي ، وأما العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها وليس الخلق المطلق للهداية ، فما أنت بملوم إذا أتيت بالعبادة التي هي أصل إذا تركت الهداية بعد بذل الجهد فيها الثالث : هو أنه لما بيّن حال من قبله من التكذيب ، ذكر هذه الآية ليبين سوء / صنيعهم حيث تركوا عبادة اللّه فما كان خلقهم إلا للعبادة ، وأما التفسير ففيه مسائل : المسألة الأولى : الملائكة أيضا من أصناف المكلفين ولم يذكرهم اللّه مع أن المنفعة الكبرى في إيجاده لهم هي العبادة ولهذا قال :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[ الأنبياء : 26 ] وقال تعالى :
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ *
[ الأعراف : 206 ] فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : قد ذكرنا في بعض الوجوه أن تعلق الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له ، وهذا مختص بالجن والإنس لأن الكفر في الجن أكثر ، والكافر منهم أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء صنيعهم الثاني : هو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ، فلما قال وذكرهم ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أي ذكر الجن والإنس الثالث : أن عباد الأصنام كانوا يقولون بأن اللّه تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون اللّه وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة اللّه فنعبد الملائكة وهم يعبدون اللّه ، فقال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلما بين القوم فذكر المتنازع فيه الرابع : قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله من الاستتار وهم مستترون عن الخلق ، وعلى هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخصلها الخامس : قال بعض الناس كلما ذكر اللّه الخلق كان فيه التقدير في الجرم والزمان قال تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ *
[ الفرقان : 59 ] وقال تعالى :
خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] وقال :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] إلى غير ذلك ، وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] وقال :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] وقال تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] والملائكة كالأرواح من عالم الأمر أوجدهم من غير مرور زمان فقوله
وَما خَلَقْتُ
إشارة إلى من هو من عالم الخلق فلا يدخل فيه الملائكة ، وهو باطل لقوله تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ *
[ غافر : 62 ] فالملك من عالم الخلق . المسألة الثانية : تقديم الجن على الإنس لأية حكمة ؟ نقول فيه وجوه الأول : بعضها مر في المسألة الأولى الثاني : هو أن العبادة سرية وجهرية ، وللسرية فضل على الجهرية لكن عبادة الجن سرية لا يدخلها الرياء العظيم ، وأما عبادة الإنس فيدخلها الرياء فإنه قد يعبد اللّه لأبناء جنسه ، وقد يعبد اللّه ليستخبر من الجن أو مخافة منهم ولا كذلك الجن . المسألة الثالثة : فعل اللّه تعالى ليس لغرض وإلا لكان بالغرض مستكملا وهو في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر اللّه الغرض والعلة ؟ نقول المعتزلة تمسكوا به ، وقالوا أفعال اللّه تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 192 | فخر الدين الرازي