تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
منكري ذلك ، ونحن نقول فيه وجوه الأول : أن التعليل لفظي ومعنوي ، واللفظي ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة ، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ودخل بلاد العدو وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير ، ففي المعنى المقصود ذلك ، وفي اللفظ لا يصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال / هذا ليس بشيء ولا يصح عليه ، ولو قال قائل في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق ، فالتعليل اللفظي هو جعل المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة ، يقال اتجر للربح ، وإن لم يكن في الحقيقة له ، إذا عرفت هذا ، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس ، والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظا والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني : هو أن ذلك تقدير كالتمني والترجي في كلام اللّه تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها ، كما قلنا في قوله تعالى :
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
[ طه : 44 ] أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجوا وقوله
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
[ الأعراف : 129 ] أي يصير إهلاكه عندكم مرجوا تقولون إنه قرب الثاني : هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضا كما في الوقت قال تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[ الإسراء : 78 ] وقوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
[ الطلاق : 1 ] والمراد المقارنة ، وكذلك في جميع الصور ، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة ، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن اللّه تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره ، لأن اللّه تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لا ليكون علة ، وإذا لزم القول بأن اللّه تعالى يفعل فعلا هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة ، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع ، منها ما يدل على أن الإضلال بفعل اللّه كقوله تعالى :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ *
[ الرعد : 27 ] وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق اللّه كقوله تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ *
[ الرعد : 16 ] ومنها الصرائح التي تدل على عدم ذلك ، كقوله تعالى :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
[ الأنبياء : 23 ] وقوله تعالى :
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[ إبراهيم : 27 ]
يَحْكُمُ ما يُرِيدُ
[ المائدة : 1 ] والاستقصاء مفوض فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر . المسألة الرابعة : قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
[ الحجرات : 13 ] وقال :
لِيَعْبُدُونِ
فهل بينها اختلاف ؟ نقول ليس كذلك فإن اللّه تعالى علل جعلهم شعوبا بالتعارف ، وهاهنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] دليل على ما ذكره هاهنا وموافق له ، لأنه إذا كان أتقى كان أعبد وأخلص عملا ، فيكون المطلوب منه أتم في الوجود فيكون أكرم وأعز ، كالشئ الذي منفعته فائدة ، وبعض أفراده يكون أنفع في تلك الفائدة ، مثاله الماء إذا كان مخلوقا للتطهير والشرب فالصافي منه أكثر فائدة في تلك المنفعة فيكون أشرف من ماء آخر ، فكذلك العبد الذي وجد فيه ما هو المطلوب منه على وجه أبلغ . المسألة الخامسة : ما العبادة التي خلق الجن والإنس لها ؟ قلنا : التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه ، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما ، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والأركان ، ولما كان التعظيم اللائق بذي الجلال والإكرام لا يعلم عقلا لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم السلام فقد أنعم / اللّه على عباده بإرسال الرسل وإيضاح السبل في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 193 | فخر الدين الرازي