تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
قالُوا
فإن قيل : فلم لم يذكر المصدقين ، كما ذكر المكذبين ، وقال إلا قال بعضهم صدقت ، وبعضهم كذبت ؟ نقول لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب ، فكأنه تعالى قال : لا تأس على تكذيب قومك ، فإن أقواما قبلك كذبوا ، ورسلا كذبوا . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 53 ]

أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) أي بذلك القول ، وهو قولهم
ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
ومعناه التعجيب ، أي كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم تواطؤا عليه ، وقال بعضهم لبعض : لا تقولوا إلا هذا ، ثم قال : لم يكن ذلك على التواطؤ ، وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل أترفوا فاستغنوا فنسوا اللّه وطغوا فكذبوا رسله ، كما أن الملك إذا أمهل أهل بقعة ، ولم يكلفهم بشيء ، ثم قعد بعد مدة وطلبهم إلى بابه يصعب عليهم لاتخاذهم القصور والجنان ، وتحسين بلادهم من الوجوه الحسان ، فيحملهم ذلك على العصيان ، والقول بطاعة ملك آخر . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 54 ]

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) هذه تسلية أخرى ، وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان من كرم الأخلاق ينسب نفسه إلى تقصير ، ويقول إن عدم إيمانهم لتقصيري في التبليغ / فيجتهد في الإنذار والتبليغ ، فقال تعالى : قد أتيت بما عليك ، ولا يضرك التولي عنهم ، وكفرهم ليس لتقصير منك ، فلا تحزن فإنك لست بملوم بسبب التقصير ، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 55 ]

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) يعني ليس التولي مطلقا ، بل تول وأقبل وأعرض وادع ، فلا التولي يضرك إذا كان عنهم ، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين ، وفيه معنى آخر ألطف منه ، وهو أن الهادي إذا كانت هدايته نافعة يكون ثوابه أكثر ، فلما قال تعالى :
فَتَوَلَّ
كان يقع لمتوهم أن يقول ، فحينئذ لا يكون للنبي صلى اللّه عليه وسلم ثواب عظيم ، فقل بلى وذلك لأن في المؤمنين كثرة ، فإذا ذكرتهم زاد هداهم ، وزيادة الهدى من قوله كزيادة القوم ، فإن قوما كثيرا إذا صلّى كل واحد ركعة أو ركعتين ، وقوما قليلا إذا صلّى كل واحد ألف ركعة تكون العبادة في الكثرة كالعبادة عن زيادة العدد ، فالهادي له على عبادة كل مهتد أجر ، ولا ينقص أجر المهتدي ، قال تعالى :
إِنَّ لَكَ لَأَجْراً
[ القلم : 3 ] أي وإن توليت بسبب انتفاع المؤمنين بل وحالة إعراضك عن المعاندين ، وقوله تعالى :
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
يحتمل وجوها : أحدها : أن يراد قوة يقينهم كما قال تعالى :
لِيَزْدادُوا إِيماناً
[ الفتح : 4 ] وقال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً
[ التوبة : 124 ] وقال تعالى :
زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمد : 17 ] ثانيها : تنفع المؤمنين الذين بعدك فكأنك إذا أكثرت التذكير بالتكرير نقل عنك ذلك بالتواتر فينتفع به من يجيء بعدك من المؤمنين ثالثها : هو أن الذكرى إن أفاد إيمان كافر فقد نفع مؤمنا لأنه صار مؤمنا ، وإن لم يفد يوجد حسنة ويزاد في حسنة المؤمنين فينتفعوا ، وهذا هو الذي قيل في قوله تعالى :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها
[ الزخرف : 72 ] . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 56 ]

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 )