تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
أمر بالتوحيد ، وفيه لطائف الأولى : قوله تعالى :
فَفِرُّوا
ينبئ عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع ، فافزعوا إلى اللّه سريعا وفروا الثانية : قوله تعالى :
إِلَى اللَّهِ
بيان المهروب إليه ولم يذكر الذي منه الهرب لأحد وجهين ، إما لكونه معلوما وهو هول العذاب أو الشيطان الذي قال فيه
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] وإما ليكون عاما كأنه يقول : كل ما عدا اللّه عدوكم ففروا إليه من كل ما عداه ، وبيانه وهو أن كل ما عداه فإنه يتلف عليك رأس مالك الذي هو العمر ، ويفوت عليك ما هو الحق والخير ، ومتلف رأس المال مفوت الكمال عدو ، وأما إذا فررت إلى اللّه وأقبلت على اللّه فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء لا فناء معه والثالثة : الفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه واتركوا غيره تركا مؤبدا الرابعة : في تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن اللّه تعالى قال :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها
[ الذاريات : 47 ]
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها
[ الذاريات : 48 ]
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا
[ الذاريات : 49 ] ثم جعل الكلام للنبي عليه السلام وقال :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
ولم يقل ففروا إلينا ، وذلك لأن لاختلاف الكلام تأثيرا ، وكذلك لاختلاف المتكلمين تأثيرا ، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن الجادة ، ويجعل الكلام مختلفا ، نوعا ترغيبا ونوعا ترهيبا ، وتنبيها بالحكاية ، ثم يقول لغيره تكلم معه لعلّ كلامك ينفع ، لما في أذهان الناس أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر ، واللّه تعالى ذكر أنواعا من الكلام وكثيرا من الاستدلالات والآيات وذكر طرفا صالحا من الحكايات ، ثم ذكر كلاما من متكلم آخر هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن المفسرين من يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ
إشارة إلى الرسالة . وفيه أيضا لطائف إحداها : أن اللّه تعالى بيّن عظمته بقوله
وَالسَّماءَ بَنَيْناها
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها
وهيبته بقوله
فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ
[ القصص : 40 ] وقوله تعالى :
أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
[ الذاريات : 48 ] وقوله
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
[ النساء : 153 ] وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار ، فحكايات لوط تدل على أن التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد اللّه جعله سبب الفناء والماء كذلك في قوم فرعون والهواء في عاد والنار في ثمود ، ولعلّ ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة وقد ذكرنا في سورة العنكبوت شيئا منه ، ثم إذ أبان عظمته وهيبته قال لرسوله عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات وسرد الحكايات فلإردافه بذكر الرسول فائدة ثانيها : في الرسالة أمور ثلاثة المرسل والرسول والمرسل إليه وهاهنا ذكر الكل ، فقوله
لَكُمْ
إشارة إلى المرسل إليهم وقوله
مِنْهُ
إشارة إلى المرسل وقوله
نَذِيرٌ
بيان للرسول ، وقدم المرسل إليه في الذكر ، لأن المرسل إليه أدخل في أمر الرسالة / لأن عنده يتم الأمر ، والملك لو لم يكن هناك من يخالفه أو يوافقه فيرسل إليه نذيرا أو بشيرا لا يرسل وإن كان ملكا عظيما ، وإذا حصل المخالف أو الموافق يرسل وإن كان غير عظيم ، ثم المرسل لأنه متعين وهو الباعث ، وأما الرسول فباختياره ، ولولا المرسل المتعين لما تمت الرسالة ، وأما الرسول فلا يتعين ، لأن للملك اختيار من يشاء من عباده ، فقال :
مِنْهُ
ثم قال :
نَذِيرٌ
تأخيرا للرسول عن المرسل ثالثها : قوله
مُبِينٌ
إشارة إلى ما به تعرف الرسالة ، لأن كل حادث له سبب وعلامة ، فالرسول هو الذي به تتم الرسالة ، ولا بد له من علامة يعرف به ، فقوله
مُبِينٌ
إشارة إليها وهي إما البرهان والمعجزة .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 189 | فخر الدين الرازي