تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
عن عدم القدرة والاستقلال ، فمن استطاع شيئا كان دون من يقدر عليه ، ولهذا يقول المتكلمون الاستطاعة مع الفعل أو قبل الفعل إشارة إلى قدرة مطلوبه من اللّه تعالى مأخوذة منه وإليه الإشارة بقوله تعالى :
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
[ المائدة : 112 ] على قراءة من قرأ بالتاء وقوله
فَمَا اسْتَطاعُوا
أبلغ من قول القائل ما قدروا على قيام ثانيها : قوله تعالى :
مِنْ قِيامٍ
بزيادة من ، وقد عرفت ما فيه من التأكيد ثالثها : قوله
قِيامٍ
بدل قوله هرب لما بينا أن العاجز عن القيام أولى أن يعجز عن الهرب الوجه الثاني : هو أن المراد من قيام القيام بالأمر ، أي ما استطاعوا من قيام به . وقوله تعالى :
وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ
أي ما استطاعوا الهزيمة والهرب ، ومن لا يقدر عليه يقاتل وينتصر بكل ما يمكنه لأنه يدفع عن الروح وهم مع ذلك ما كانوا منتصرين ، وقد عرفت أن قول القائل ما هو بمنتصر أبلغ من قوله ما انتصر ولا ينتصر والجواب ترك مع كونه يجب تقديره وقوله / ( ما انتصر ) أي لشيء من شأنه ذلك ، كما تقول فلان لا ينصر أو فلان ليس ينصر . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 46 ]

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 46 ) قرئ
قَوْمَ
بالجر والنصب فما وجههما ؟ نقول أما الجر فظاهر عطفا على ما تقدم في قوله تعالى
وَفِي عادٍ
[ الذاريات : 41 ]
وَفِي مُوسى
[ الذاريات : 38 ] ، تقول لك في فلان عبرة وفي فلان وفلان ، وأما النصب فعلى تقدير : وأهلكنا قوم نوح من قبل ، لأن ما تقدم دلّ على الهلاك فهو عطف على المحل ، وعلى هذا فقوله
مِنْ قَبْلُ
معناه ظاهر كأنه يقول ( وأهلكنا قوم نوح من قبل ) وأما على الوجه الأول فتقديره : وفي قوم نوح لكم عبرة من قبل ثمود وعاد وغيرهم . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 47 ]

وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وهو بيان للوحدانية ، وما تقدم كان بيانا للحشر . وأما قوله هاهنا
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من دون اللّه ما خلقوا منها شيئا فلا يصح الإشراك ، ويمكن أن يقال هذا عود بعد التهديد إلى إقامة الدليل ، وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ثانيا ، كما قال تعالى :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
[ يس : 81 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : النصب على شريطة التفسير يختار في مواضع ، وإذا كان العطف على جملة فعليه فما تلك الجملة ؟ نقول في بعض الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى :
وَفِي عادٍ
[ الذاريات : 41 ]
وَفِي ثَمُودَ
[ الذاريات : 43 ] تقديره وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود ، عطفا على قوله
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
[ الذاريات : 24 ] وعلى هذا يكون ما تقدم جملة فعلية لا خفاء فيه ، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور النصب أقرب منه إلى الرفع فكان عطفا على ما بالنصب أولى ، ولأن قوله تعالى :
فَنَبَذْناهُمْ
[ الذاريات : 40 ] وقوله
أَرْسَلْنا
[ الذاريات : 32 ] وقوله تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
[ الذاريات : 44 ] و
فَمَا اسْتَطاعُوا
[ الذاريات : 45 ] كلها فعليات فصار النصب مختارا .