تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 38 ]

وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) قوله
وَفِي مُوسى
يحتمل أن يكون معطوفا على معلوم ، ويحتمل أن يكون معطوفا على مذكور ، أما الأول ففيه وجوه الأول : أن يكون المراد ذلك في إبراهيم وفي موسى ، لأن من ذكر إبراهيم يعلم ذلك الثاني : لقومك في لوط وقومه عبرة ، وفي موسى وفرعون الثالث : أن يكون هناك معنى قوله تعالى : تفكروا في إبراهيم ولوط وقومهما ، وفي موسى وفرعون ، والكل قريب بعضه من بعض ، وأما الثاني ففيه أيضا وجوه أحدها : أنه عطف على قوله
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ
[ الذاريات : 20 ] ،
وَفِي مُوسى
وهو بعيد لبعده في الذكر ، ولعدم المناسبة بينهما ثانيها : أنه عطف على قوله
وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ
[ الذاريات : 37 ] ،
وَفِي مُوسى
أي وجعلنا في موسى على طريقة قولهم : علفتها تبنا وماء باردا ، وتقلدت سيفا ورمحا ، وهو أقرب ، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير في قوله تعالى :
وَتَرَكْنا فِيها
عائد إلى القرية ثالثها : أن نقول فيها راجع إلى الحكاية ، فيكون التقدير : وتركنا في حكايتهم آية أو في قصتهم ، فيكون : وفي قصة موسى آية ، وهو قريب من الاحتمال الأول ، وهو العطف على المعلوم رابعها : أن يكون عطفا على
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
[ الذاريات : 24 ] وتقديره : وفي موسى حديث إذ أرسلناه ، « وهو مناسب إذ جمع اللّه كثيرا من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام ، كما قال تعالى :
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم : 36 ] وقال تعالى :
صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
[ الأعلى : 19 ] والسلطان القوة بالحجة والبرهان ، والمبين الفارق ، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من البراهين القاطعة التي حاج بها فرعون ، ويحتمل أن يكون المراد المعجز الفارق بين سحر الساحر وأمر المرسلين .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 39 ]

فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 ) قوله تعالى :
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ
فيه وجوه الأول : الباء للمصاحبة ، والركن إشارة إلى القوم كأنه تعالى يقول : أعرض مع قومه ، يقال نزل فلان بعسكره على كذا ، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى :
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى فَكَذَّبَ وَعَصى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى
[ النازعات : 20 - 22 ] قال :
أَدْبَرَ
وهو بمعنى تولى وقوله
فَحَشَرَ فَنادى
[ النازعات : 23 ] في معنى قوله تعالى
بِرُكْنِهِ
، الثاني :
فَتَوَلَّى
أي اتخذ وليا ، والباء للتعدية حينئذ يعني تقوى بجنده والثالث : تولى أمر موسى بقوته ، كأنه قال : أقتل موسى لئلا يبدل دينكم ، ولا يظهر في الأرض الفساد ، فتولى أمره بنفسه ، وحينئذ يكون المفعول غير مذكور ، وركنه هو نفسه القوية ، ويحتمل أن يكون المراد من ركنه هامان ، فإنه كان وزيره ، وعلى هذا الوجه الثاني أظهر .
وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
أي هذا ساحر أو مجنون ، وقوله
ساحِرٌ
أي يأتي الجن بسحره / أو يقرب منهم ، والجن يقربون منه ويقصدونه إن كان هو لا يقصدهم ، فالساحر والمجنون كلاهما أمره مع الجن ، غير أن الساحر يأتيهم باختياره ، والمجنون يأتونه من غير اختياره ، فكأنه أراد صيانة كلامه عن الكذب فقال هو يسحر الجن أو يسحر ، فإن كان ليس عنده منه خبر ، ولا يقصد ذلك فالجن يأتونه . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 40 ]

فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 )