تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يدل على هذا أن قولهم
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
كان جواب سؤاله منهم .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 32 ]

قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) المسألة الرابعة : هذه الحكاية بعينها هي المحكية في هود ، وهناك قالوا
إِنَّا أُرْسِلْنا
[ هود : 70 ] بعد ما زال عنه الروع وبشروه ، وهنا قالوا
إِنَّا أُرْسِلْنا
بعد ما سألهم عن الخطب ، وأيضا قالوا هناك
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ
[ هود : 70 ] وقالوا هاهنا
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
والحكاية من قولهم ، فإن لم يقولوا ذلك ورد السؤال أيضا ، فنقول إذا قال قائل حاكيا عن زيد : قال زيد عمرو خرج ، ثم يقول مرة أخرى : قال زيد إن بكرا خرج ، فإما أن يكون صدر من زيد قولان ، وإما أن لا يكون حاكيا ما قاله زيد ، والجواب عن الأول : هو أنه لما خاف جاز أنهم ما قالوا له
لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ
فلما قال لهم ماذا تفعلون بهم ، كان لهم أن يقولوا
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ
لنهلكهم ، كما يقول القائل : خرجت من البيت ، فيقال لما ذا خرجت ؟ فيقول خرجت لأتجر ، لكن هاهنا فائدة معنوية ، وهي أنهم إنما قالوا في جواب ما خطبكم نهلكهم ؟ بأمر اللّه ، لتعلم براءتهم عن إيلام البريء ، وإهمال الرديء فأعادوا لفظ الإرسال ، وأما عن الثاني : نقول الحكاية قد تكون حكاية اللفظ ، كما تقول : قال زيد بعمرو مررت ، فيحكي لفظه المحكي ، وقد يكون حكاية لكلامه بمعناه تقول : زيد قال عمرو خرج ، ولك أن تبدل مرة أخرى في غير تلك الحكاية بلفظة أخرى ، فتقول لما قال زيد بكر خرج ، قلت كيت وكيت ، كذلك هاهنا القرآن لفظ معجز ، وما صدر ممن تقدم نبينا عليه السلام سواء كان منهم ، وسواء كان منزلا عليهم لم يكن لفظه معجزا ، فيلزم أن لا تكون هذه الحكايات بتلك الألفاظ ، فكأنهم قالوا له
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
وقالوا /
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ
وله أن يقول ، إنا أرسلنا إلى قوم من آمن بك ، لأنه لا يحكي لفظهم حتى يكون ذلك واحدا ، بل يحكي كلامهم بمعناه وله عبارات كثيرة . ألا ترى أنه تعالى لما حكى لفظهم في السلام على أحد الوجوه في التفسير ، قال في الموضعين : سلاما وسلام ثم بيّن ما لأجله أرسلوا بقوله :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 33 ]

لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 ) وقد فسرنا ذلك في العنكبوت ، وقلنا إن ذلك دليل على وجوب الرمي بالحجارة على اللائط وفيه مسائل : المسألة الأولى : أي حاجة إلى قوم من الملائكة ، وواحد منهم كان يقلب المدائن بريشة من جناحه ؟ نقول الملك القادر قد يأمر الحقير بإهلاك الرجل الخطير ، ويأمر الرجل الخطير بخدمة الشخص الحقير ، إظهارا لنفاذ أمره ، فحيث أهلك الخلق الكثير بالقمل والجراد والبعوض بل بالريح التي بها الحياة ، كان أظهر في القدرة وحيث أمر آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم كان أظهر في نفاذ الأمر وفيه فائدة أخرى ، وهي أن من يكون تحت طاعة ملك عظيم ، ويظهر له عدو ويستعين بالملك فيعينه بأكابر عسكره ، يكون ذلك تعظيما منه له وكلما كان العدو أكثر والمدد أوفر كان التعظيم أتم ، لكن اللّه تعالى أعان لوطا بعشرة ونبينا عليه السلام بخمسة آلاف ، وبين العددين من التفاوت ما لا يخفى وقد ذكرنا نبذا منه في تفسير قوله تعالى :
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ
[ يس : 28 ] .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 179 | فخر الدين الرازي