تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فكأنها كانت قاصدة إياهم فما تركت شيئا من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم مع أن الصر الريح الباردة والمكرر لا ينفك عن المعنى الذي في اللفظ من غير تكرير ، تقول حث وحثحث وفيه ما في حث نقول فيه قولان أحدهما : أنها كانت باردة فكانت في أيام العجوز وهي ثمانية أيام من آخر شباط وأول آذار ، والريح الباردة من شدة بردها تحرق الأشجار والثمار وغيرهما وتسودهما والثاني : أنها كانت حارة والصر هو الشديد لا البارد وبالشدة فسّر قوله تعالى :
فِي صَرَّةٍ
[ الذاريات : 29 ] أي في شدة من الحر . البحث الرابع : في قوله تعالى :
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
لأن في قوله تعالى :
ما تَذَرُ
نفي الترك مع إثبات الإتيان فكأنه تعالى قال تأتي على أشياء وما تتركها غير محرقة وقول القائل : ما أتى على شيء إلا جعله كذا يكون نفي الإتيان عما لم يجعله كذلك .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 43 ]

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ( 43 ) قوله تعالى :
وَفِي ثَمُودَ
والبحث فيه وفي عاد هو ما تقدم في قوله تعالى :
وَفِي مُوسى
[ الذاريات : 38 ] . وقوله تعالى :
إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ
قال بعض المفسرين : المراد منه هو ما أمهلهم اللّه ثلاثة أيام بعد قتلهم الناقة وكانت في تلك الأيام تتغير ألوانهم فتصفر وجوههم وتسود ، وهو ضعيف لأن قوله تعالى :
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
[ الذاريات : 44 ] بحرف الفاء دليل على أن العتو كان بعد قوله /
تَمَتَّعُوا
فإذن الظاهر أن المراد هو ما قدر اللّه للناس من الآجال ، فما من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل يقول له تمتع إلى آخر أجلك فإن أحسنت فقد حصل لك التمتع في الدارين وإلا فما لك في الآخرة من نصيب . وقوله :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 44 ]

فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 44 ) فيه بحث وهو أن عتا يستعمل بعلى قال تعالى :
أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا
[ مريم : 69 ] وهاهنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى :
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
كان كقوله
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ *
[ الأعراف : 206 ] وحيث قال على كان كقول القائل فلان يتكبر علينا ، والصاعقة فيه وجهان ذكرناهما هنا أحدها : أنها الواقعة والثاني : الصوت الشديد وقوله
وَهُمْ يَنْظُرُونَ
إشارة إلى أحد معنيين إما بمعنى تسليمهم وعدم قدرتهم على الدفع كما يقول القائل للمضروب يضربك فلان وأنت تنظر إشارة إلى أنه لا يدفع ، وإما بمعنى أن العذاب أتاهم لا على غفلة بل أنذروا به من قبل بثلاثة أيام وانتظروه ، ولو كان على غفلة لكان لمتوهم أن يتوهم أنهم أخذوا على غفلة أخذ العاجل المحتاج ، كما يقول المبارز الشجاع أخبرتك بقصدي إياك فانتظرني .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 45 ]

فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 ) وقوله تعالى :
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ
يحتمل وجهين أحدهما : أنه لبيان عجزهم عن الهرب والفرار على سبيل المبالغة ، فإن من لا يقدر على قيام كيف يمشي فضلا عن أن يهرب ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية إحداها : قوله تعالى :
فَمَا اسْتَطاعُوا
فإن الاستطاعة دون القدرة ، لأن في الاستطاعة دلالة الطلب وهو ينبئ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 185 | فخر الدين الرازي