إسرافهم ؟ نقول ما دل عليه قوله تعالى :
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ *
[ العنكبوت : 28 ] أي لم يبلغ مبلغكم أحد وقوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 35 ]
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 )
فيه فائدتان :
إحداهما : بيان القدرة والاختيار فإن من يقول بالاتفاق يقول يصيب البر والفاجر فلما ميز اللّه المجرم عن المحسن دل على الاختيار .
ثانيها : بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسئ فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك ، والضمير عائد إلى القرية معلومة وإن لم تكن مذكورة وقوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 36 ]
فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 )
فيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين ، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ، وقيل في مثاله إن العالم كبدن ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والكفار والفساق كالسموم الواردة عليه الضارة ، ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه المضار هلك وإن خلا عن المضار وفيه المنافع طاب عيشه ونما ، وإن وجد فيه كلاهما فالحكم للغالب فكذلك البلاد والعباد والدلالة على أن المسلم بمعنى المؤمن ظاهرة ، والحق أن المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه ، فإذا سمي المؤمن مسلما لا يدل على اتحاد مفهوميهما ، فكأنه تعالى قال أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من المسلمين ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين ، وهذا كما لو قال قائل لغيره : من في البيت من الناس ؟ فيقول له ما في البيت من الحيوانات أحد غير زيد ، فيكون مخبرا له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد . ثم قال تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 37 ]
وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 37 )
وفي الآية خلاف ، قيل هو ماء أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك ، وقيل حجارة مرمية في ديارهم وهي بين الشام والحجاز ، وقوله
لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ
أي المنتفع بها هو الخائف ، كما قال تعالى :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ العنكبوت : 35 ] في سورة العنكبوت ، وبينهما في اللفظ فرق قال هاهنا
آيَةً
وقال هناك
آيَةً بَيِّنَةً
وقال هناك
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وقال هاهنا
لِلَّذِينَ يَخافُونَ
فهل في المعنى فرق ؟ نقول هناك مذكور بأبلغ وجه يدل عليه قوله تعالى :
آيَةً بَيِّنَةً
حيث وصفها بالظهور ، وكذلك منها وفيها فإن من للتبعيض ، فكأنه تعالى قال : من نفسها لكم آية باقية ، وكذلك قال :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فإن العاقل أعم من الخائف ، فكانت الآية هناك أظهر ، وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم ، وهاهنا تسلية القلب ألا ترى إلى قوله تعالى :
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
[ الذاريات : 35 ، 36 ] وقال هناك
إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ
[ العنكبوت : 33 ] من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم . / ثم قال تعالى :