قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ
ثم دفعوا استبعادها بقولهم
إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
.
وقد ذكرنا تفسيرهما مرارا ، فإن قيل لم قال هاهنا
الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
وقال في هود
حَمِيدٌ مَجِيدٌ
[ هود : 73 ] نقول لما بينا أن الحكاية هناك أبسط ، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم
أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ هود : 73 ] ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم اللّه ، وذكروهم بنعمته بقولهم
حَمِيدٌ
فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة ، وقولهم
مَجِيدٌ
إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل ، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه ، وهاهنا لما لم يقولوا
أَ تَعْجَبِينَ
إشارة إلى ما يدفع تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه ، وفيه لطيفة وهي أن هذا الترتيب مراعى في السورتين ، فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالقول ، وكذلك الحكيم هو الذي فعله ، كما ينبغي لعلمه قاصدا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقا للمقصود اتفاقا ، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم ، فائدة لا يقال له حكيم ، وأما إذا فعل فعلا قاصدا لقتلها بحيث يسلم عن نهشها ، يقال له حكيم فيه ، والعليم راجع إلى الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد بمجده ، وإن لم يفعل فعلا وهو قاصد لعلمه ، وإن لم يفعل على وفق القاصد . ثم قال تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 31 ]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لما علم حالهم بدليل قوله
مُنْكَرُونَ
[ الذاريات : 25 ] لم لم يقنع بما بشروه لجواز أن يكون نزولهم للبشارة لا غير ؟ نقول إبراهيم عليه السلام أتى بما هو من آداب المضيف حيث يقول لضيفه إذا استعجل في الخروج ما هذه العجلة ، وما شغلك الذي يمنعنا من التشرف بالاجتماع بك ، ولا يسكت عند خروجهم مخافة أن يكون سكوته يوهم استثقالهم ، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسر عن الصديق الصدوق ، لا سيما وكان ذلك بإذن اللّه تعالى لهم في اطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم ، وجبر قلبه بتقديم البشارة بخير البدل ، وهو أبو الأنبياء إسحاق عليه السلام على الصحيح ، فإن قيل فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ، ولو كان كما ذكرتم لقال ما هذا / الاستعجال ، وما خطبكم المعجل لكم ؟ نقول لو كان أوجس منهم خيفة وخرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئا ، فلما آنسوه قال ما خطبكم ، أي بعد هذا الأنس العظيم ، ما هذا الإيحاش الأليم .
المسألة الثانية : هل في الخطب فائدة لا توجد في غيره من الألفاظ ؟ نقول نعم ، وذلك من حيث إن الألفاظ المفردة التي يقرب منها الشغل والأمر والفعل وأمثالها ، وكل ذلك لا يدل على عظم الأمر ، وأما الخطب فهو الأمر العظيم ، وعظم الشأن يدل على عظم من على يده ينقضي ، فقال :
فَما خَطْبُكُمْ
أي لعظمتكم لا ترسلون إلا في عظيم ، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول ما شغلكم الخطير وأمركم العظيم للزم التطويل ، فالخطب أفاد التعظيم مع الإيجاز .
المسألة الثالثة : من أين عرف كونهم مرسلين ، فنقول قالوا له بدليل قوله تعالى :
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ
[ هود : 70 ] وإنما لم يذكر هاهنا لما بينا أن الحكاية ببسطها مذكورة في سورة هود ، أو نقول لما قالوا لامرأته
كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ
[ الذاريات : 30 ] علم كونهم منزلين من عند للّه حيث كانوا يحكون قول اللّه تعالى ،