تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
لما دخلوا عليه فقالوا حسنا سلموا من الإثم ، وحينئذ يكون مفعولا للقول لأن مفعول القول هو الكلام ، يقال قال فلان كلاما ، ولا يكون هذا من باب ضربه سوطا لأن المضروب هناك ليس هو السوط ، وهاهنا القول هو الكلام فسره قوله تعالى :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
[ الفرقان : 63 ] وقوله تعالى :
قِيلًا سَلاماً سَلاماً
[ الواقعة : 21 ] . ثالثها : أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره نبلغك سلاما ، لا يقال على هذا إن المراد لو كان ذلك لعلم كونهم رسل اللّه عند السلام فما كان يقول
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
ولا كان يقرب إليهم الطعام ، ولما قال
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ
[ هود : 70 ] لأنا نقول جاز أن يقال إنهم قالوا : نبلغك سلاما ولم يقولوا من اللّه تعالى إلى أن سألهم إبراهيم عليه السلام ممن تبلغون لي السلام ، وذلك لأن الحكيم لا يأتي بالأمر العظيم إلا بالتدريج فلما كانت هيبتهم عظيمة ، فلو ضموا إليه الأمر العظيم الذي هو السلام من اللّه تعالى لانزعج إبراهيم عليه السلام ، ثم إن إبراهيم عليه السلام اشتغل بإكرامهم عن سؤالهم وآخر السؤال إلى حين الفراغ فنكرهم بين السلام والسؤال عمن منه السلام هذا وجه النصب ، وأما الرفع فنقول يحتمل أن المراد منه السلام الذي هو التحية وهو المشهور أيضا ، وحينئذ يكون مبتدأ / خبره محذوف تقديره سلام عليكم ، وكون المبتدأ نكرة يحتمل في قول القائل سلام عليكم وويل له ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره قال جوابه سلام ، ويحتمل أن يكون المراد قولا يسلم به أو ينبئ عن السلامة فيكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أمري سلام بمعنى مسالمة لا تعلق بيني وبينكم لأني لا أعرفكم ، أو يكون المبتدأ قولكم ، وتقديره قولكم سلام ينبئ عن السلامة وأنتم قوم منكرون فما خطبكم فإن الأمر أشكل عليّ ، وهذا ما يحتمل أن يقال في النصب والرفع ، وأما الفرق فنقول أما على التفسير المشهور وهو أن السلام في الموضعين بمعنى التحية فنقول الفرق بينهما من حيث اللفظ ومن حيث المعنى . أما من حيث اللفظ : فنقول سلام عليك إنما جوز واستحسن لكونه مبتدأ وهو نكرة ، من حيث إنه كالمتروك على أصله لأن الأصل أن يكون منصوبا على تقدير أسلم سلاما وعليك يكون لبيان من أريد بالسلام ، ولا يكون لعليك حظ من المعنى غير ذلك البيان فيكون كالخارج عن الكلام ، والكلام التام أسلم سلاما ، كما أنك تقول ضربت زيدا على السطح يكون على السطح خارجا عن الفعل والفاعل والمفعول لبيان مجرد الظرفية ، فإذا كان الأمر كذلك وكان السلام والأدعية كثير الوقوع ، قالوا نعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسمية ونجعل لعليك حظا في الكلام ، فنقول سلام عليك ، فتصير عليك لفائدة لا بد منها ، وهي الخبرية ، ويترك السلام نكرة كما كان حال النصب ، إذا علم هذا فالنصب أصل والرفع مأخوذ منه ، والأصل مقدم على المأخوذ منه ، فقال :
فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
قدم الأصل على المتفرع منه . وأما من حيث المعنى : فذلك لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرد عليهم بالأحسن ، فأتى بالجملة الاسمية فإنها أدل على الدوام والاستمرار ، فإن قولنا جلس زيد لا ينبئ عنه لأن الفعل لا بد فيه من الإنباء عن التجدد والحدوث ولهذا لو قلت : اللّه موجود الآن لأثبت العقل الدوام إذ لا ينبئ عن التجدد ، ولو قال قائل : وجد اللّه الآن لكاد ينكره العاقل لما بينا فلما قالوا : سلاما قال : سلام عليكم مستمر دائم ، وأما على قولنا المراد القول ذو السلامة فظاهر الفرق ، فإنهم قالوا قولا ذا سلام ، وقال لهم إبراهيم عليه السلام سلام أي قولكم ذو سلام وأنتم قوم منكرون فالتبس الأمر علي ، وإن قلنا المراد أمر مسالمة ومتاركة وهم سلموا عليه تسليما ، فنقول فيه
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 175 | فخر الدين الرازي