تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
خلاف جنسهم وأتى بما يعجزون عنه ، فإنهم كانوا يقولون نحن لا نقدر لأن لكل نوع خاصية ، فإن خاصية النعامة بلع النار ، والطيور الطير في الهواء ، وابن آدم لا يقدر عليه فإن قيل الإبطال جائز لأن قولهم كان باطلا ، ولكن تقرير الباطل كيف يجوز ، نقول المبين لبطلان الكلام يجب أن يورده على أبلغ ما يمكن ويذكر فيه كل ما يتوهم أنه دليل عليه ثم يبطله ، فلذلك قال عجبتم بسبب أنه منكم ، وهو في الحقيقة سبب لهذا التعجب ، فإن قيل النبي صلى اللّه عليه وسلم كان بشيرا ونذيرا واللّه تعالى في جميع المواضع قدم كونه بشيرا على كونه نذيرا ، فلم لم يذكر : عجبوا أن جاءهم بشير منهم ؟ نقول هو لما لم يتعين للبشارة موضعا كان في حقهم منذرا لا غير . ثم قال تعالى :
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
. قال الزمخشري هذا تعجب آخر من أمر آخر وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
[ ق : 3 ] فعجبوا من كونه منذرا من وقوع الحشر ، ويدل عليه النظر في أول / سورة ص حيث قال فيه
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ
[ ص : 4 ] وقال :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ ص : 5 ] ذكر تعجبهم من أمرين والظاهر أن قولهم
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر ويدل عليه وجوه الأول : هو أن هناك ذكر
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
بعد الاستفهام الإنكاري فقال :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
وقال هاهنا
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
ولم يكن ما يقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر . ثم قالوا :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
الثاني : هاهنا وجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب وهو قولهم
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضا عائدا إليه لكان كالتكرار ، فإن قيل التكرار الصريح يلزم من جعل قولك
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
عائدا إلى مجيء المنذر ، فإن تعجبهم منه علم من قوله
عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ
فقوله
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
يكون تكرارا ، نقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير ، وذلك لأنه لما قال :
بَلْ عَجِبُوا
بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجيبا كما قال تعالى :
أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ هود : 73 ] ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لفعلكم وعجبكم فقالوا
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
فكيف لا نعجب منه ، ويدل عليه أنه تعالى قال هاهنا
فَقالَ الْكافِرُونَ
بحرف الفاء ، وقال في ص
وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ
[ ص : 4 ] لأن قولهم
ساحِرٌ كَذَّابٌ
كان تعنتا غير مرتب على ما تقدم ، و
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
أمر مرتب على ما تقدم أي عجبوا وأنكروا عليه ذلك ، فقالوا
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
فكيف لا نعجب منه ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى :
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
[ ق : 3 ] بلفظ الإشارة إلى البعد ، وقوله هذا إشارة إلى الحاضر القريب ، فينبغي أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهذا ، وذلك لا يصح إلا على قولنا . ثم قال تعالى :

[ سورة ق ( 50 ) : آية 3 ]

أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) فإنهم لما أظهروا العجب من رسالته أظهروا استبعاد كلامه ، وهذا كما قال تعالى عنهم
قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ
[ سبأ : 43 ] ،
وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً
[ سبأ : 43 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : فقوله
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
إنكار منهم بقول أو بمفهوم دل عليه قوله تعالى :
جاءَهُمْ مُنْذِرٌ
[ ق : 2 ] لأن الإنذار لما لم يكن إلا بالعذاب المقيم والعقاب الأليم ، كان فيه الإشارة للحشر ، فقالوا
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
.