تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
المسألة الثانية : ذلك إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار ، وقوله
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
[ ق : 2 ] إشارة إلى المجيء على ما قلنا ، فلما اختلفت الصفتان نقول المجيء والجائي كل واحد حاضر . وأما الإنذار وإن كان حاضرا لكن لكون المنذر به لما كان غير حاضر قالوا فيه ذلك ، والرجع مصدر رجع يرجع إذا / كان متعديا ، والرجوع مصدره إذا كان لازما ، وكذلك الرجعي مصدر عند لزومه ، والرجع أيضا يصح مصدرا للازم ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
أي رجوع بعيد ، ويحتمل أن يكون المراد الرجع المتعدي ، ويدل على الأول قوله تعالى :
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
[ العلق : 8 ] وعلى الثاني قوله تعالى :
أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ
[ النازعات : 10 ] أي مرجعون فإنه من الرجع المتعدي ، فإن قلنا هو من المتعدي ، فقد أنكروا كونه مقدورا في نفسه . ثم إن اللّه تعالى قال :

[ سورة ق ( 50 ) : آية 4 ]

قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) إشارة إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه ، وذلك لأن اللّه تعالى بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر ، وقادر على الجمع والتأليف ، فليس الرجوع منه ببعد ، وهذا كقوله تعالى :
وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
[ يس : 81 ] حيث جعل للعلم مدخلا في الإعادة ، وقوله
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ
يعني لا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في تخوم الأرضين ، وهذا جواب لما كانوا يقولون
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
[ السجدة : 10 ] يعني أن ذلك إشارة إلى أنه تعالى كما يعلم أجزاؤهم يعلم أعمالهم من ظلمهم ، وتعديهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون ، ويحتمل أن يقال معنى قوله تعالى :
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
هو أنه عالم بتفاصيل الأشياء ، وذلك لأن العلم إجمالي وتفصيلي ، فالإجمالي كما يكون عند الإنسان الذي يحفظ كتابا ويفهمه ، ويعلم أنه إذا سئل عن أية مسألة تكون في الكتاب يحضر عنده الجواب ، ولكن ذلك لا يكون نصب عينيه حرفا بحرف ، ولا يخطر بباله في حالة بابا بابا ، أو فصلا فصلا ، ولكن عند العرض على الذهن لا يحتاج إلى تجديد فكر وتحديد نظر ، والتفصيلي مثل الذي يعبر عن الأشياء ، والكتاب الذي كتب فيه تلك المسائل ، وهذا لا يوجد عند الإنسان إلا في مسألة أو مسألتين . أما بالنسبة إلى كتاب فلا يقال :
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
يعني العلم عندي كما يكون في الكتاب أعلم جزءا جزءا وشيئا شيئا ، والحفيظ يحتمل أن يكون بمعنى المحفوظ ، أي محفوظ من التغيير والتبديل ، ويحتمل أن يكون بمعنى الحافظ ، أي حافظ أجزاءهم وأعمالهم بحيث لا ينسى شيئا منها ، والثاني هو الأصح لوجهين أحدهما : أن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن ، قال تعالى :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ *
« 1 » [ الأنعام : 104 ] وقال تعالى :
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ
[ الشورى : 6 ] « 2 » ولأن الكتاب على ما ذكرنا للتمثيل فهو يحفظ الأشياء ، وهو مستغن عن أن يحفظ .

[ سورة ق ( 50 ) : آية 5 ]

بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) وقوله تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ
.
هامش
( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع وما أنت عليهم بحفيظ وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من المعجم المفهرس . ( 2 ) في تفسير الرازي المطبوع واللّه حفيظ عليم وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من المعجم المفهرس .