رد عليهم ، فإن قيل ما المضروب عنه ، نقول فيه وجهان أحدهما : تقديره لم يكذب المنذر ، بل كذبوا هم ، وتقديره هو أنه تعالى لما قال عنهم إنهم قالوا
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
[ ق : 2 ] كان في معنى قولهم : / إن المنذر كاذب ، فقال تعالى : لم يكذب المنذر ، بل هم كذبوا ، فإن قيل : ما الحق ؟ نقول يحتمل وجوها الأول :
البرهان القائم على صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الثاني : الفرقان المنزل وهو قريب من الأول ، لأنه برهان الثالث : النبوة الثابتة بالمعجزة القاهرة فإنها حق الرابع : الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق ، فإن قيل بين لنا معنى الباء في قوله تعالى :
بِالْحَقِّ
وأية حاجة إليها ، يعني أن التكذيب متعد بنفسه ، فهل هي للتعدية إلى مفعول ثان أو هي زائدة ، كما في قوله تعالى :
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
؟ [ القلم : 5 ، 6 ] نقول فيه بحث وتحقيق ، وهي في هذا الموضع لإظهار معنى التعدية ، وذلك لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب ، لكن النسبة تارة توجد في القائل ، وأخرى في القول ، تقول : كذبني فلان وكنت صادقا ، وتقول : كذب فلان قول فلان ، ويقال كذبه ، أي جعله كاذبا ، وتقول : قلت لفلان زيد يجيء غدا ، فتأخر عمدا حتى كذبني وكذب قولي ، والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها ، قال تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
[ الشعراء : 141 ] وقال تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
[ القمر : 23 ] وفي القول كذلك غير أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر ، قال تعالى :
فَكَذَّبُوهُ *
[ الأعراف : 64 ] وقال :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[ فاطر : 4 ] إلى غير ذلك ، وفي القول الاستعمال بالباء أكثر ، قال اللّه تعالى :
كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها
[ القمر : 42 ] وقال :
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ
وقال تعالى :
وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ
[ الزمر : 32 ] والتحقيق فيه هو أن المفعول المطلق هو المصدر ، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل ، فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب ، غير أن له محلا يقع فيه فيسمى مضروبا ، ثم إذا كان ظاهرا لكونه محلا للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف ، يقال ضربت عمرا ، وشربت خمرا ، للعلم بأن الضرب لا بد له من محل يقوم به ، والشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه ، وإذا قلت مررت يحتاج إلى الحرف ، ليظهر معنى التعدية لعدم ظهوره في نفسه ، لأن من قال : مر السحاب يفهم منه مرور ولا يفهم منه من مر به ، ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضرب والشرب ، وفي الخفاء دون المرور ، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف لظهوره الذي فوق ظهور المرور ، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا لا يجوز أن تقول : ضربت بعمرو ، إلا إذا جعلته آلة الضرب . أما إذا ضربته بسوط أو غيره ، فلا يجوز فيه زيادة الباء ، ولا يجوز مروا به إلا مع الاشتراك ، وتقول مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت له ، لأن المسح إمرار اليد بالشيء فصار كالمرور ، والشكر فعل جميل غير أنه يقع بمحسن ، فالأصل في الشكر ، الفعل الجميل ، وكونه واقعا بغيره كالبيع بخلاف الضرب ، فإنه إمساس جسم بجسم بعنف ، فالمضروب داخل في مفهوم الضرب أولا ، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانيا ، إذا عرفت هذا فالتكذيب في القائل ظاهر لأنه هو الذي يصدق أو يكذب ، وفي القول غير ظاهر فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية .
وقوله
لَمَّا جاءَهُمْ
في الجائي وجهان : أحدهما : أنه هو المكذب تقديره : كذبوا بالحق لما جاءهم الحق ، أي لم يؤخروه إلى الفكر والتدبر ثانيهما : الجائي هاهنا هو الجائي في قوله تعالى :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
[ ق : 2 ] تقديره : كذبوا بالحق لما جاءهم المنذر ، والأول لا يصح على قولنا الحق وهو الرجع ،