تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
البحث الرابع : أقسم بالحروف في أول ثمانية وعشرين سورة ، وبالأشياء التي عددها عدد الحروف ، وهي غير
وَالشَّمْسِ
في أربع عشرة سورة ، لأن القسم بالأمور غير الحروف وقع في أوائل السور وفي أثنائها ، كقوله تعالى :
كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
[ المدثر : 32 ، 33 ] وقوله تعالى :
وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
[ الانشقاق : 17 ] وقوله
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ
[ التكوير : 17 ] والقسم بالحروف لم يوجد ولم يحسن إلا في أوائل السور ، لأن ذكر ما لا يفهم معناه في أثناء الكلام المنظوم المفهوم يخل بالفهم ، ولما كان القسم بالأشياء له موضعان والقسم بالحروف له موضع واحد جعل القسم بالأشياء في أوائل السور على نصف القسم بالحروف في أوائلها . البحث الخامس : القسم بالحروف وقع في النصفين جميعا بل في كل سبع وبالأشياء المعدودة لم يوجد إلا في النصف الأخير بل لم يوجد إلا في السبع الأخير غير والصافات ، وذلك لأنا بينا أن القسم بالحروف لم ينفك عن ذكر القرآن أو الكتاب أو التنزيل بعده إلا نادرا فقال تعالى :
يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
[ يس : 1 ، 2 ]
حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ *
[ غافر : 1 ، 2 ] ،
ألم * ذلِكَ الْكِتابُ
[ البقرة : 1 ، 2 ] ولما كان جميع القرآن معجزة مؤداة بالحروف وجد ذلك عاما في جميع المواضع ولا كذلك القسم بالأشياء المعدودة ، وقد ذكرنا شيئا من ذلك في سورة العنكبوت ، ولنذكر ما يختص بقاف قيل إنه اسم جبل محيط بالأرض عليه أطراف السماء وهو ضعيف لوجوه : أحدها : أن القراءة الكثيرة الوقف ، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج ، لأن من قال ذلك قال بأن اللّه تعالى أقسم به وثانيها : أنه لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كما في قوله تعالى :
وَالطُّورِ
وذلك لأن حرف القسم يحذف حيث يكون المقسم به مستحقا لأن يقسم به ، كقولنا اللّه لأفعلن كذا ، واستحقاقه لهذا غني عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال زيد لأفعلن ثالثها : هو أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب
عَيْنٌ جارِيَةٌ
[ الغاشية : 12 ] ويكتب
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] وفي جميع المصاحف يكتب حرف
ق
، رابعها : هو أن الظاهر أن الأمر فيه كالأمر في
ص
،
ن
،
حم *
وهي حروف لا كلمات وكذلك في
ق
فإن قيل هو منقول عن ابن عباس ، نقول المنقول عنه أن قاف اسم جبل ، وأما أن المراد في هذا الموضع به ذلك فلا ، وقيل إن معناه قضى الأمر ، وفي
ص
صدق اللّه ، وقيل هو اسم الفاعل من قفا يقفو و
ص
من صاد من المصاداة ، وهي المعارضة ، معناه هذا قاف جميع الأشياء بالكشف ، ومعناه حينئذ هو قوله تعالى :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ] إذا قلنا إن الكتاب هناك القرآن . هذا ما قيل في
ق
وأما القراءة فيه فكثيرة وحصرها بيان معناها ، فنقول إن قلنا هي مبنية على ما بينا فحقها الوقف إذ لا عامل فيها فيشبه / بناء الأصوات ويجوز الكسر حذرا من التقاء الساكنين ، ويجوز الفتح اختيارا للأخف ، فإن قيل كيف جاز اختيار الفتح هاهنا ، ولم يجز عند التقاء الساكنين إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول أخرى كما في قوله تعالى :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البينة : 1 ]
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ
[ الأنعام : 52 ] ؟ نقول لأن هناك إنما وجب التحريك وعين الكسر في الفعل لشبهة تحرك الإعراب ، لأن الفعل محل يرد عليه الرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر فاختيرت الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر ، لأن الفعل لا يجوز فيه الجر ولو فتح لاشتبه بالنصب ، وأما في أواخر الأسماء فلا اشتباه ، لأن الأسماء محل ترد عليه الحركات الثلاث فلم يكن يمكن الاحتراز فاختاروا الأخف ، وأما إن قلنا إنها حرف مقسم به فحقها الجر ويجوز النصب بجعله مفعولا باقسم على وجه الاتصال ،