تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
المسألة الأولى : قيل :
ق
اسم جبل محيط بالعالم ، وقيل معناه حكمة ، هي قولنا : قضى / الأمر . وفي ص : صدق اللّه ، وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ، ليبقى السامع مقبلا على استماع ما يرد عليه ، فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق . وذكرنا أيضا أن العبادة منها قلبية ، ومنها لسانية ، ومنها جارحية ظاهرة ، ووجد في الجارحية ما عقل معناه ، ووجد منها ما لم يعقل معناه ، كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ، ووجد في القلبية ما عقل بدليل ، كعلم التوحيد ، وإمكان الحشر ، وصفات اللّه تعالى ، وصدق الرسل ، ووجد فيها ما يبعدها عن كونها معقولة المعنى أمور لا يمكن التصديق ، والجزم بما لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر ، والميزان الذي يوزن به الأعمال ، فكذلك كان ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية منها ما يعقل معناه كجميع القرآن إلا قليلا منه ، ومنها ما لا يعقل ولا يفهم كحرف التهجي لكون التلفظ به محض الانقياد للأمر ، لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض ، كقولنا ربنا اغفر لنا وارحمنا بل يكون النطق به تعبدا محضا ، ويؤيد هذا وجه آخر ، وهو أن هذا الحروف مقسم بها ، وذلك لأن اللّه تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفا لهما ، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة ، وآلة التعريف كان أولى ، وإذا عرفت هذا فنقول على هذا فيه مباحث : الأول : القسم من اللّه وقع بأمر واحد ، كما في قوله تعالى :
وَالْعَصْرِ
وقوله تعالى :
وَالنَّجْمِ
وبحرف واحد ، كما في قوله تعالى :
ص
و
ن
ووقع بأمرين ، كما في قوله تعالى :
وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى
وفي قوله تعالى :
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ
وبحرفين ، كما في قوله تعالى :
طه
و
طس
و
يس
و
حم *
وبثلاثة أمور ، كما في قوله تعالى :
وَالصَّافَّاتِ
. . .
فَالزَّاجِراتِ
. . .
فَالتَّالِياتِ
وبثلاثة أحرف ، كما في
ألم *
وفي
طسم *
و
الر *
وبأربعة أمور ، كما في
وَالذَّارِياتِ
« 1 » وفي
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ
وفي
وَالتِّينِ
وبأربعة أحرف ، كما في
المص
و
المر
وبخمسة أمور ، كما في
وَالطُّورِ
وفي
وَالْمُرْسَلاتِ
وفي
وَالنَّازِعاتِ
وفي
وَالْفَجْرِ
وبخمسة أحرف ، كما في
كهيعص
و
حم عسق
ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي
وَالشَّمْسِ وَضُحاها
ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول ، لأنه يجمع كلمة الاستثقال ، ولما استثقل حين ركب لمعنى ، كان استثقالها حين ركب من غير إحاطة العلم بالمعنى أو لا لمعنى كان أشد . البحث الثاني : عند القسم بالأشياء المعهودة ، ذكر حرف القسم وهي الواو ، فقال :
وَالطُّورِ
وَالنَّجْمِ
وَالشَّمْسِ
وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم ، فلم يقل وق وحم لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحروف مقسما به ، فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف . البحث الثالث : أقسم اللّه بالأشياء : كالتين والطور ، ولم يقسم بأصولها ، وهي الجواهر / الفردة والماء والتراب . وأقسم بالحروف من غير تركيب ، لأن الأشياء عنده يركبها على أحسن حالها ، وأما الحروف إن ركبت بمعنى ، يقع الحلف بمعناه لا باللفظ ، كقولنا ( والسماء والأرض ) وإن ركبت لا بمعنى ، كان المفرد أشرف ، فأقسم بمفردات الحروف .
هامش
( 1 ) يقصد ما عطف على الذاريات وهو قوله تعالى :فَالْحامِلاتِ وِقْراً ، فَالْجارِياتِ يُسْراً ، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراًوهكذا فيوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ،وَالتِّينِ،وَالطُّورِوَالْمُرْسَلاتِ،وَالنَّازِعاتِوَالْفَجْرِيريد تمام الآيات .