تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
الافتخار بذلك الرابعة : فيه إرشاد إلى برهان يدل على أن الافتخار ليس بالأنساب ، وذلك لأن القبائل للتعارف بسبب الانتساب إلى شخص فإن كان ذلك الشخص شريفا صح الافتخار في ظنكم ، وإن لم يكن شريفا لم يصح ، فشرف ذلك الرجل الذي تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلة أو باكتساب فضيلة ، فإن كان بالانتساب لزم الانتهاء ، وإن كان بالاكتساب فالدين الفقيه الكريم المحسن صار مثل من يفتخر به المفتخر ، فكيف / يفتخر بالأب وأب الأب على من حصل له من الحظ والخير ما فضل به نفسه عن ذلك الأب والجد ؟ اللّهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن أحدا لا يقرب من الرسول في الفضيلة حتى يقول أنا مثل أبيك ، ولكن في هذا النسب أثبت النبي صلى اللّه عليه وسلم الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب ، ونفاه لمن أراد الشرف بالانتساب ، فقال : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » . و قال : « العلماء ورثة الأنبياء » أي لا نورث بالانتساب ، وإنما نورث بالاكتساب ، سمعت أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان في النسب أقرب الناس إلى علي عليه السلام غير أنه كان فاسقا ، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل ، ومال الناس إلى التبرك به فاتفق أنه خرج يوما من بيته يقصد المسجد ، فأتبعه خلق فلقيه الشريف سكران ، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه ، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال له : يا أسود الحوافر والشوافر ، يا كافر ابن كافر ، أنا ابن رسول اللّه ، أذل وتجل ! وأذم وتكرم ! وأهان وتعان ! فهم الناس بضربه فقال الشيخ : لا هذا محتمل منه لجده ، وضربه معدود لحده ، ولكن يا أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك ، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت ، وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي ، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي ، فعملوا معك ما يعمل مع أبي ، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك ! ، ثم قال تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
وفيه وجهان : أحدهما : أن المراد من يكون أتقى يكون عند اللّه أكرم أي التقوى تفيد الإكرام ثانيهما : أن المراد أن من يكون أكرم عند اللّه يكون أتقى أي الإكرام يورث التقوى كما يقال : المخلصون على خطر عظيم ، والأول أشهر والثاني أظهر لأن المذكور ثانيا ينبغي أن يكون محمولا على المذكور أولا في الظاهر فيقال الإكرام للتقي ، لكن ذوا العموم في المشهور هو الأول ، يقال ألذ الأطعمة أحلاها أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة ، وهي إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة ، فإن قيل التقوى من الأعمال والعلم أشرف ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد » نقول التقوى ثمرة العلم قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فلا تقوى إلا للعالم فالمتقي العالم أتم علمه ، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها ، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا تثمر بل هو حطب ، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم ، وأما العابد الذي يفضل اللّه عليه الفقيه فهو الذي لا علم له ، وحينئذ لا يكون عنده من خشية اللّه نصاب كامل ، ولعله يعبده مخافة الإلقاء في النار ، فهو كالمكره ، أو لدخول الجنة ، فهو يعمل كالفاعل له أجرة ويرجع إلى بيته ، والمتقي هو العالم باللّه ، المواظب لبابه ، أي المقرب إلى جنابه عنده يبيت . وفيه مباحث : البحث الأول : الخطاب مع الناس والأكرم يقتضي اشتراك الكل في الكرامة ولا كرامة / للكافر ، فإنه أضل من الأنعام وأذل من الهوام . نقول ذلك غير لازم مع أنه حاصل بدليل قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] لأن كل من خلق فقد اعترف بربه ، كأنه تعالى قال من استمر عليه لو زاد زيد في كرامته ، ومن
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 114 | فخر الدين الرازي