تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
يؤلم ، فقال أكل لحم الأخ وهو ميت أيضا لا يؤلم ، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم ، كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه ، وفيه معنى : وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتا ، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة ، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي الميت فلا يأكل لحم الآدمي ، فكذلك المغتاب أن وجد لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب ، وقوله تعالى :
مَيْتاً
حال عن اللحم أو عن الأخ ، فإن قيل اللحم لا يكون ميتا ، قلنا بلى قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ما أبين من حي فهو ميت » فسمى الغلفة ميتا ، فإن قيل إذا جعلناه حال عن الأخ ، لا يكون هو الفاعل ولا المفعول فلا يجوز جعله حال ، كما يقول القائل : مررت بأخي زيد قائما ، ويريد كون زيدا قائما ، قلنا يجوز أن يقال من أكل لحمة فقد أكل ، فصار الأخ مأكولا مفعولا ، بخلاف المرور بأخي زيد ، فيجوز أن تقول ضربت وجهه آثما أي وهو آثم ، أي صاحب الوجه ، كما أنك إذا ضربت وجهه فقد ضربته ، ولا يجوز أن تقول مزقت ثوبه آثما ، فتجعل الآثم حالا من غيرك ، وقوله تعالى :
فَكَرِهْتُمُوهُ
فيه مسألتان : المسألة الأولى : العائد إليه الضمير يحتمل وجوها الأول : وهو الظاهر أن يكون هو الأكل ، لأن قوله تعالى :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
معناه أيحب أحدكم الأكل ، لأن أن مع الفعل تكون للمصدر ، يعني فكرهتم الأكل الثاني : أن يكون هو اللحم ، أي فكرهتم اللحم الثالث : أن يكون هو الميت في قوله
مَيْتاً
وتقديره : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا متغيرا فكرهتموه ، فكأنه صفة لقوله
مَيْتاً
ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير ، يعني الميتة إن أكلت في الندرة لسبب كان نادرا ، ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلا ، فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة . المسألة الثانية : الفاء في قوله تعالى :
فَكَرِهْتُمُوهُ
تقتضي وجود تعلق ، فما ذلك ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أن يكون ذلك تقدير جواب كلام ، كأنه تعالى لما قال :
أَ يُحِبُّ
قيل في جوابه ذلك وثانيها : أن يكون الاستفهام في قوله
أَ يُحِبُّ
للإنكار كأنه قال : لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه إذا ولا يحتاج إلى إضمار وثالثها : أن يكون ذلك التعلق هو تعلق المسبب بالسبب ، وترتبه عليه كما تقول : جاء فلان ماشيا فتعب ، لأن المشي يورث التعب ، فكذا قوله
مَيْتاً
لأن الموت يورث النفرة إلى حد لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت ، فكيف يقربه بحيث يأكل منه ، ففيه إذا كراهة شديدة ، فكذلك ينبغي أن يكون حال الغيبة . ثم قال تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
عطف على ما تقدم من الأوامر والنواهي ، / أي اجتنبوا واتقوا ، وفي الآية لطائف : منها أن اللّه تعالى ذكر في هذه الآية أمورا ثلاثة مرتبة بيانها ، هو أنه تعالى قال :
اجْتَنِبُوا كَثِيراً
أي لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على الظن ، ثم إذا سئلتم على المظنونات ، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها ، ثم إن علمتم منها شيئا من غير تجسس ، فلا تقولوه ولا تفشوه عنهم ولا تعيبوا ، ففي الأول نهى عما لم أن يعلم ، ثم نهى عن طلب ذلك العلم ، ثم نهى عن ذكر ما علم ، ومنها أن اللّه تعالى لم يقل اجتنبوا تقولوا أمرا على خلاف ما تعلمونه ، ولا قال اجتنبوا الشك ، بل أول ما نهى عنه هو القول بالظن ، وذلك لأن القول على خلاف العلم كذب وافتراء ، والقول بالشك ، والرجم بالغيب سفه وهزء ، وهما في غاية القبح ، فلم ينه عنه اكتفاء بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لأن وصفهم