تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
اثنين الدين المتين ، وأحدهما نسيب ترجح بالنسب عند الناس لا عند اللّه لأن اللّه تعالى يقول :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] وشرف النسب ليس مكتسبا ولا يحصل بسعي . البحث الثاني : ما الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر ، ولم يذكر المال ؟ نقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها ، لأن المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار المفتخر به ، والحسن والسن ، وغير ذلك غير ثابت دائم ، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له فاختاره اللّه للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بالطريق الأولى . البحث الثالث : إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فهل لقوله تعالى :
إِنَّا خَلَقْناكُمْ
فائدة ؟ نقول نعم ، وذلك لأن كل شيء يترجح على غيره ، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ، ويترتب عليه بعد وجوده ، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله ، والذي بعده / كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء ، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي منه وجد ، أو إلى الفاعل الذي هو له أوجد ، كم يقال في إناءين هذا من النحاس وهذا من الفضة ، ويقال هذا عمل فلان ، وهذا عمل فلان ، فقال تعالى لا ترجيح فيما خلقتم منه لأنكم كلكم من ذكر وأنثى ، ولا بالنظر إلى جاعلين لأنكم كلكم خلقكم اللّه ، فإن كان بينكم تفاوت يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من اللّه تعالى . ثم قال تعالى :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
وفيه وجهان : أحدهما :
جَعَلْناكُمْ شُعُوباً
متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم ، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب وبني إسرائيل وثانيهما :
جَعَلْناكُمْ شُعُوباً
داخلين في قبائل ، فإن القبيلة تحتها الشعوب ، وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ ، وتحت الأفخاذ الفصائل ، وتحت الفصائل الأقارب ، وذكر الأعم لأنه أذهب للافتخار ، لأن لأمر الأعم منها يدخله فقراء وأغنياء كثيرة غير محصورة ، وضعفاء وأقوياء كثيرة غير معدودة ، ثم بيّن فائدة ذلك وهي التعارف وفيه وجهان : أحدهما أن فائدة ذلك التناصر لا التفاخر وثانيهما : أن فائدته التعارف لا التناكر ، واللمز والسخرية والغيبة تفضي إلى التناكر لا إلى التعارف وفيه معان لطيفة الأولى : قال تعالى :
إِنَّا خَلَقْناكُمْ
وقال :
وَجَعَلْناكُمْ
لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل
شُعُوباً
فإن الأول هو الخلق والإيجاد ، ثم الاتصاف بما اتصفوا به ، لكن الجعل شعوبا للتعارف والخلق للعبادة كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] واعتبار الأصل متقدم على اعتبار الفرع ، فاعلم أن النسب يعتبر بعد اعتبار العبادة كما أن الجعل شعوبا يتحقق بعد ما يتحقق الخلق ، فإن كان فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا الثانية : قوله تعالى :
خَلَقْناكُمْ
، و
جَعَلْناكُمْ
إشارة إلى عدم جواز الافتخار لأن ذلك ليس لسعيكم ولا قدرة لكم على شيء من ذلك ، فكيف تفتخرون بما لا مدخل لكم فيه ؟ فإن قيل الهداية والضلال كذلك لقوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
[ الإنسان : 3 ]
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ
[ الشورى : 52 ] فنقول أثبت اللّه لنا فيه كسبا مبنيا على فعل ، كم قال اللّه تعالى :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا *
[ المزمل : 19 ] . ثم قال تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ *
وأما في النسب فلا الثالثة : قوله تعالى :
لِتَعارَفُوا
إشارة إلى قياس خفي ، وبيانه هو أنه تعالى قال : إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا وأنتم إذا كنتم أقرب إلى شريف تفتخرون به فخلقكم لتعرفوا ربكم ، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف الموجودات كان الأحق بالافتخار هناك من الكل
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 113 | فخر الدين الرازي