تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
بالإيمان يمنعهم من الافتراء والارتياب الذي هو دأب الكافر . وإنما منعهم عما يكثر وجوده في المسلمين ، لذلك قال في الآية
لا يَسْخَرْ
ومنها أنه ختم الآيتين بذكر التوبة ، فقال في الأولى :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ الحجرات : 11 ] وقال في الأخرى
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ
[ الحجرات : 12 ] لكن في الآية الأولى لما كان الابتداء بالنهي في قوله
لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ
ذكر النفي الذي هو قريب من النهي ، وفي الآية الثانية لما كان الابتداء بالأمر في قوله
اجْتَنِبُوا
ذكر الارتياب الذي هو قريب من الأمر . ثم قال تعالى :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) تبيينا لما تقدم وتقريرا له ، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان ، فهو جائز لما بينا أن قوله
لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
[ الحجرات : 12 ] وقوله
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
[ الحجرات : 11 ] منع من عيب المؤمن وغيبته ، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز ، لأن الناس بعمومهم كفارا كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر ، والافتخار إن كان بسبب الغنى ، فالكافر قد يكون غنيا ، والمؤمن فقيرا وبالعكس ، وإن كان بسبب النسب ، فالكافر قد يكون نسيبا ، والمؤمن قد يكون عبدا أسود وبالعكس ، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون متقاربون ، وشيء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى ، فإن كل من يتدين بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه ، وإن كان أرفع نسبا أو أكثر نشبا ، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ ، وكيف يرجح عليه من دونه فيه بسبب غيره ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
فيه وجهان أحدهما : من آدم وحواء ثانيهما : كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم ، فإن قلنا إن المراد هو الأول ، فذلك إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد ، وامرأة واحدة ، وإن قلنا إن المراد هو الثاني ، فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد ، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم ، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين ، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب والذئاب ، لكن التفاوت الذي بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين ، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام ، بل أضل ، والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه ، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس إذ كلهم من ذكر وأنثى ، فلا يبقى لذلك عند هذا اعتبار ، وفيه مباحث : البحث الأول : فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب ، وليس كذلك فإن للنسب اعتبارا عرفا وشرعا ، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي ، فنقول إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرا ، وذلك في الحس والشرع والعرف ، أما الحسن فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس ، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عندما يكون رعد قوي ، وأما في العرف ، فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا إليه التفات ، إذا علمت هذا فيهما ففي الشرع كذلك ، إذا جاء الشرف الديني الإلهي ، لا يبقى الأمر هناك اعتبار ، لا لنسب ولا لنشب ، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسبا ، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبا ، لا يقاس أحدهما بالآخر ، وكذلك ما هو من الدين مع غيره ، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما صالحا ، ولا يصلح لشيء منها فاسق ، وإن كان قرشي النسب ، وقاروني النشب ، ولكن إذا اجتمع في