تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
قد يترك إما لنسيان أو سهو ، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطئ أو متعمد ، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب ، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] . ثم قال تعالى :
وَالْفُسُوقَ
يعني ما يظهر لسانكم أيضا ، ثم قال :
وَالْعِصْيانَ
وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان ، وقال بعض الناس الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة ، والعصيان هو الصغيرة ، وما ذكرناه أقوى . ثم قال تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
. خطابا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيه معنى لطيف : وهو أن اللّه تعالى في أول الأمر قال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ
أي هو مرشد لكم فخطاب المؤمنين للتنبيه على شفقته بالمؤمنين ، فقال في الأول كفى النبي مرشدا لكم ما تسترشدونه فأشفق عليهم وأرشدهم ، وعلى هذا قوله
الرَّاشِدُونَ
أي الموافقون للرشد يأخذون ما يأتيهم وينتهون عما ينهاهم .

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 8 ]

فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : نصب فضلا لأجل أمور ، إما لكونه مفعولا له ، وفيه وجهان أحدهما : أن العالم فيه هو الفعل الذي في قوله
الرَّاشِدُونَ
فإن قيل : كيف يجوز أن يكون فضل اللّه الذي هو فعل اللّه مفعولا له بالنسبة إلى الرشد الذي هو فعل العبد ؟ نقول لما كان الرشد توفيقا من اللّه كان كأنه فعل اللّه فكأنه تعالى أرشدهم فضلا ، أي يكون متفضلا عليهم منعما في حقهم والوجه الثاني : هو أن العالم فيه هو قوله
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ
. . .
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ
[ الحجرات : 7 ] فضلا وقوله
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
[ الحجرات : 7 ] جملة اعترضت بين الكلامين أو يكون العالم فعلا مقدرا ، فكأنه قال تعالى جرى ذلك فضلا من اللّه ، وإما لكونه مصدرا ، وفيه وجهان أحدهما : أن يكون مصدرا من غير اللفظ ولأن الرشد فضل فكأنه قال أولئك هم الراشدون رشدا وثانيهما : هو أن يكون مصدرا لفعل مضمر ، كأنه قال حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر فأفضل فضلا وأنعم نعمة ، والقول بكونه منصوبا على أنه مفعول مطلق وهو المصدر ، أو مفعول له قول الزمخشري ، وإما أن يكون فضلا مفعولا به ، والفعل مضمرا دل عليه قوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
أي يبتغون فضلا من اللّه ونعمة . المسألة الثانية : ما الفرق بين الفضل والنعمة في الآية ؟ نقول فضل اللّه إشارة إلى ما عنده من الخير وهو مستغن عنه ، والنعمة إشارة إلى ما يصل إلى العبد وهو محتاج إليه ، لأن الفضل في الأصل ينبئ عن الزيادة ، وعنده خزائن من الرحمة لا لحاجة إليها ، ويرسل منها على عباده ما لا يبقون معه في ورطة الحاجة بوجه من الوجوه ، والنعمة تنبئ عن الرأفة والرحمة وهو من جانب العبد ، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء ، وذلك لأن المحتاج يقول للغني : أعطني ما فضل عنك وعندك ، وذلك غير ملتفت إليه وأنابه قيامي وبقائي ، فإذن قوله
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
إشارة إلى ما هو من جانب اللّه الغني ، والنعمة إشارة إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع