تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
خيرا مما كان ، غير أنه تغير ضحوة النهار ، ويريد كونه في الصبح على حاله ، كأنه يقول : كان المريض وقت الصبح خيرا وتغير ضحوة النهار وثالثها : بمعنى صار يقول القائل أصبح زيد غنيا ويريد به صار من غير إرادة وقت دون وقت ، والمراد هاهنا هو المعنى الثالث وكذلك أمسى وأضحى ، ولكن لهذا تحقيق وهو أن نقول لا بد في اختلاف الألفاظ من اختلاف المعاني واختلاف الفوائد ، فنقول الصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم ، وقد تكون في آخر بمعنى آل الأمر إليه ، وقد تكون متوسطة . مثال الأول : قول القائل صار الطفل فاهما أي أخذ فيه وهو في الزيادة . مثال الثاني : قول القائل صار الحق بينا واجبا أي انتهى حده وأخذ حقه . مثال الثالث : قول القائل صار زيد عالما وقويا إذا لم يرد أخذه فيه ، ولا بلوغه نهايته بل كونه متلبسا به متصفا به ، إذا علمت هذا فأصل استعمال أصبح فيما يصير الشيء آخذا في وصف ومبتدئا في أمر ، وأصل أمسى فيما يصير الشيء بالغا في الوصف نهايته ، وأصل أضحى التوسط لا يقال أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد ، نقول إذا تقاربت المعاني جاز الاستعمال ، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل ، وكثير من الألفاظ أصله مضى واستعمل استعمالا شائعا فيما لا يشاركه ، إذا علم هذا فنقول قوله تعالى :
فَتُصْبِحُوا
أي فتصيروا آخذين في الندم متلبسين به ثم تستديمونه وكذلك في قوله تعالى :
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
أي أخذتم في الأخوة وأنتم فيها زائدون ومستمرون ، وفي الجملة اختار في القرآن هذه اللفظة لأن الأمر المقرون به هذه اللفظة ، إما في الثواب أو في العقاب وكلاهما في الزيادة ، ولا نهاية للأمور الإلهية وقوله تعالى :
نادِمِينَ
الندم هم دائم والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام ، كما في قول القائل : أدمن في الشرب ومدمن أي أقام ، ومنه المدينة . وقوله تعالى :
فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
فيه فائدتان : إحداهما : تقرير التحذير وتأكيده ، ووجهه هو أنه تعالى لما قال :
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
قال بعده وليس ذلك مما لا يلتفت إليه ، ولا يجوز للعاقل أن يقول : هب أني أصبت قوما فماذا علي ؟ بل عليكم منه الهم الدائم والحزن المقيم ، ومثل هذا الشيء واجب الاحتراز منه . والثانية : مدح المؤمنين ، أي لستم ممن إذا فعلوا سيئة لا يلتفتون إليها بل تصبحون نادمين عليها .

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 7 ]

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) ولنذكر في تفسير هذه الآية ما قيل وما يجوز أن يقال ، أما ما قيل فلنختر أحسنه وهو ما اختاره الزمخشري فإنه بحث في تفسير هذه الآية بحثا طويلا ، فقال قوله تعالى :
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
ليس كلاما مستأنفا لأدائه إلى تنافر النظم ، إذ لا تبقى مناسبة بين قوله
وَاعْلَمُوا
وبين قوله
لَوْ يُطِيعُكُمْ
ثم وجه التعلق هو أن قوله
لَوْ يُطِيعُكُمْ
في تقدير حال من الضمير المرفوع في قوله
فِيكُمْ
كان التقدير كائن فيكم ، أو موجود فيكم ، على حال تريدون أن يطيعكم أو يفعل باستصوابكم ، ولا ينبغي أن يكون في تلك الحال ، لأنه لو فعل ذلك
لَعَنِتُّمْ
أو لوقعتم في شدة أو أولمتم به .