تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
مع أن كلمة ( إن ) اتصالها بالفعل أولى ، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال ، فيتأكد معنى النكرة المدلول عليها بكلمة ( إن ) وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال منهما ، فإن قيل فلم لم يقل : يا أيها الذين آمنوا إن فاسق جاءكم ، أو إن أحد من الفساق جاءكم ، ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه ، وهو كونه فاسقا ؟ نقول المجيء بالنبإ الكاذب يورث كون الإنسان فاسقا ، أو يزداد بسببه فسقه ، فالمجيء به سبب الفسق فقدمه . وأما الاقتتال فلا يقع سببا للإيمان أو الزيادة ، فقال :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ
أي سواء كان فاسقا أو لا أو جاءكم بالنبإ فصار فاسقا به ، ولو قال : وإن أحد من الفساق جاءكم ، كان لا يتناول إلا مشهور الفسق قبل المجيء إذا جاءهم بالنبإ . المسألة الخامسة : قال تعالى :
اقْتَتَلُوا
ولم يقل : يقتتلوا ، لأن صيغة الاستقبال تنبئ عن الدوام والاستمرار ، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا ، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبئ عن ذلك ، يقال فلان يتهجد ويصوم . المسألة السادسة : قال :
اقْتَتَلُوا
ولم يقل اقتتلا ، وقال :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
ولم يقل بينهم ، ذلك لأن عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة ، وكل أحد برأسه يكون فاعلا فعلا ، فقال :
اقْتَتَلُوا
وعند العود إلى الصلح تتفق كلمة كل طائفة ، وإلا لم يكن يتحقق الصلح فقال :
بَيْنَهُما
لكون / الطائفتين حينئذ كنفسين . [ قوله تعالى
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما
إلى قوله
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
] ثم قال تعالى :
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما
إشارة إلى نادرة أخرى وهي البغي ، لأنه غير متوقع ، فإن قيل كيف يصح في هذا الموضع كلمة ( إن ) مع أنها تستعمل في الشرط الذي لا يتوقع وقوعه ، وبغي أحدهما عند الاقتتال لا بد منه ، إذ كل واحد منهما لا يكون محسنا ، فقوله
إِنْ
تكون من قبيل قول القائل : إن طلعت الشمس ، نقول فيه معنى لطيف ، وهو أن اللّه تعالى يقول : الاقتتال بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع ، وهو كما تظن كل طائفة أن الأخرى فيها الكفر والفساد ، فالقتال واجب كما سبق في الليالي المظلمة ، أو يقع لكل واحد أن القتال جائز بالاجتهاد ، وهو خطأ ، فقال تعالى : الاقتتال لا يقع إلا كذا ، فإن بان لهما أو لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر ، وعند ذلك يكون قد بغى فقال :
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى
يعني بعد استبانة الأمر ، وحينئذ فقوله
فَإِنْ بَغَتْ
في غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة الوقوع ، وفيه أيضا مباحث الأول : قال :
فَإِنْ بَغَتْ
ولم يقل فإن تبغ لما ذكرنا في قوله تعالى :
اقْتَتَلُوا
ولم يقل يقتتلوا الثاني : قال :
حَتَّى تَفِيءَ
إشارة إلى أن القتال ليس جزاء للباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك الشرب ، بل القتال إلى حد الفيئة ، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم الثالث : هذا القتال لدفع الصائل ، فيندرج فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة من إحداهما ، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البغي الذي لأجله حلّ القتال الرابع : هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمنا لأن الباغي جعله من إحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين الخامس : قوله تعالى :
إِلى أَمْرِ اللَّهِ
يحتمل وجوها أحدها : إلى طاعة الرسول وأولي الأمر لقوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
[ النساء : 59 ] . وثانيها : إلى أمر اللّه ، أي إلى الصلح فإنه مأمور به يدل عليه قوله تعالى :
وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ
[ الأنفال : 1 ] ، ثالثها : إلى أمر اللّه بالتقوى ، فإن من خاف اللّه حق الخوف لا يبقى له عداوة إلا مع الشيطان كما قال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] ، السادس : لو قال قائل قد ذكرتم ما يدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم بأن القتال والبغي من المؤمن نادر ، فإذن تكون الفئة