تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الحاجة ، وهذا مما يؤكد قولنا فضلا منصوب بفعل مضمر ، وهو الابتغاء والطلب . المسألة الثالثة : ختم الآية بقوله
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
فيه مناسبات عدة منها أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق ، قال إن يشتبه على المؤمن كذب الفاسق فلا تعتمدوا على ترويجه عليكم الزور ، فإن اللّه عليم ، ولا تقولوا كما كان عادة المنافق لولا يعذبنا اللّه بما نقول ، فإن اللّه حكيم لا يفعل إلا على وفق حكمته وثانيها : لما قال اللّه تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ
[ الحجرات : 7 ] بمعنى لا يطيعكم ، بل يتبع الوحي ، قال فإن اللّه من كونه عليما يعلمه ، ومن كونه حكيما يأمره بما تقتضيه الحكمة فاتبعوه ثالثها : المناسبة التي بين قوله تعالى :
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وبين قوله
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ
أي حبب بعلمه الإيمان لأهل الإيمان ، واختار له من يشاء بحكمته رابعها : وهو الأقرب ، وهو أنه سبحانه وتعالى قال :
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
ولما كان الفضل هو ما عند اللّه من الخير المستغني عنه ، قال تعالى هو عليم بما في خزائن رحمته من الخير ، وكانت النعمة هو ما يدفع به حاجة العبد ، قال هو حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة .

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 9 ]

وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) [ قوله تعالى
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
] لما حذر اللّه المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق ، أشار إلى ما يلزم منه استدراكا لما يفوت ، فقال فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم ، وآل الأمر إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين ، فأزيلوا ما أثبته ذلك الفاسق وأصلحوا بينهما
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
أي الظالم يجب عليكم دفعه عنه ، ثم إن الظالم إن كان هو الرعية ، فالواجب على الأمير دفعهم ، وإن كان هو الأمير ، فالواجب على المسلمين منعه بالنصيحة فما فوقها ، وشرطه أن لا يثير فتنة مثل التي / في اقتتال الطائفتين أو أشد منهما ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى :
وَإِنْ
إشارة إلى ندرة وقوع القتال بين طوائف المسلمين ، فإن قيل فنحن نرى أكثر الاقتتال بين طوائفهم ؟ نقول قوله تعالى :
وَإِنْ
إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع إلا نادرا ، غاية ما في الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي ، وكذلك
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
[ الحجرات : 6 ] إشارة إلى أن مجيء الفاسق بالنبإ ينبغي أن يقع قليلا ، مع أن مجيء الفاسق بالنبإ كثير ، وقول الفاسق صار عند أولي الأمر أشد قبولا من قول الصادق الصالح . المسألة الثانية : قال تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ
ولم يقل وإن فرقتان تحقيقا للمعنى الذي ذكرناه وهو التقليل ، لأن الطائفة دون الفرقة ، ولهذا قال تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
[ التوبة : 122 ] . المسألة الثالثة : قال تعالى :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ولم يقل منكم ، مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
[ الحجرات : 6 ] تنبيها على قبح ذلك وتبعيدا لهم عنهم ، كما يقول السيد لعبده : إن رأيت أحدا من غلماني يفعل كذا فامنعه ، فيصير بذلك مانعا للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن ، كأنه يقول : أنت حاشاك أن تفعل ذلك ، فإن فعل غيرك فامنعه ، كذلك هاهنا قال :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد . المسألة الرابعة : قال تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
ولم يقل : وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين ،