تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
وبتقدير أن يثبت الولد فجعله بنتا أيضا محال ، أما بيان أن إثبات الولد للّه محال ، فلأن الولد لا بد وأن يكون جزءا من الوالد ، وما كان له جزء كان مركبا ، وكل مركب ممكن ، وأيضا ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق ، وما كان كذلك فهو عبد محدث ، فلا يكون إلها قديما أزليا . وأما المقام الثاني : وهو أن بتقدير ثبوت الولد فإنه يمتنع كونه بنتا ، وذلك لأن الابن أفضل من البنت ، فلو قلنا إنه اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنين لعباده ، لزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال اللّه ، وذلك مدفوع في بديهة العقل ، يقال أصفيت فلانا بكذا ، أي آثرته به إيثارا حصل له على سبيل الصفاء من غير أن يكون له فيه مشارك ، وهو كقوله
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
[ الإسراء : 40 ] ثم بيّن نقصان البنات من وجوه الأول : قوله
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
والمعنى أن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته للّه تعالى ! وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى ، فهجر البيت الذي فيه المرأة ، فقالت :
ما لأبي حمزة لا يأتينا * يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنينا * ليس لنا من أمرنا ماشينا وإنما نأخذ ما أعطينا « 1 »
وقوله
ظَلَّ
أي صار ، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة ، قال صاحب « الكشاف » : قرئ مسود ومسواد ، والتقدير وهو مسود ، فتقع هذه الجملة موقع الخبر والثاني : قوله
أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ينشؤ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على ما لم يسم فاعله ، أي يربى ، والباقون ينشأ ، بضم الياء وسكون النون وفتح الشين ، قال صاحب « الكشاف » : وقرئ يناشأ ، قال ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء ، المغالاة بمعنى الإغلاء . المسألة الثانية : المراد من قوله
أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ
التنبيه على نقصانها ، وهو أن الذي يربى في الحلية يكون ناقص الذات ، لأنه لولا نقصان في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية ، ثم بين نقصان حالها بطريق آخر ، وهو قوله
وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
يعني أنها إذا احتاجت المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين ، وذلك لضعف لسانها وقلة عقلها وبلادة طبعها ، ويقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بما كان حجة عليها ، فهذه الوجوه دالة على كمال نقصها ، فكيف يجوز إضافتهن بالولدية إليه ! المسألة الثالثة : دلت الآية على أن التحلي مباح للنساء ، وأنه حرام للرجال ، لأنه تعالى جعل ذلك من المعايب وموجبات النقصان ، وإقدام الرجل عليه يكون إلقاء لنفسه في الذل وذلك حرام ، لقوله عليه السلام : « ليس للمؤمن أن يذل نفسه » وإنما زينة الرجل الصبر على طاعة اللّه ، والتزين بزينة التقوى ، قال الشافعي :
تدرعت يوما للقنوع حصينة * أصون بها عرضي وأجعلها ذخرا ولم أحذر الدهر الخئون وإنما * قصاراه أن يرمي بي الموت والفقرا فأعددت للموت الإله وعفوه * وأعددت للفقر التجلد والصبرا
هامش
( 1 ) لهذا الرجز تتمة أو هي رواية أخرى رواها الجاحظ في « البيان والتبيين » :كأنما ذلك في أيدينا * ونحن كالأرض لزارعينا نخرج ما قد بذروه فينا