تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
[ في قوله تعالى
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ
] اعلم أنه تعالى لما قال :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
« 1 » [ الزخرف : 9 ] بين أنهم مع إقرارهم بذلك ، جعلوا له من عباده جزءا والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر :
جُزْءٌ
بضم الزاي والهمزة في كل القرآن وهما لغتان ، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاي بلا همزة . المسألة الثانية : في المراد من قوله
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
قولان : الأول : وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولدا ، وتقرير الكلام أن ولد الرجل جزء منه ، قال عليه السلام : « فاطمة بضعة مني » ولأن المعقول من الوالد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثل ذلك الأصل ، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه ، / فقوله
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به ، والمعنى أنهم أثبتوا له جزءا ، وذلك الجزء هو عبد من عباده . واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءا ، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل جزء من أجزائه في بعض عباده وذلك هو الولد ، فكذا قوله
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
معناه وأثبتوا له جزءا ، وذلك الجزء هو عبد من عباده ، والحاصل أنهم أثبتوا للّه ولدا ، وذكروا في تقرير هذا القول وجوها أخر ، فقالوا الجزء هو الأنثى في لغة العرب ، واحتجوا في إثبات هذه اللغة ببيتين فالأول قوله :
إن أجزأت حرة يوما فلا عجب * قد تجزئ الحرة المذكاة أحيانا
وقوله :
زوجتها من نبات الأوس مجزئة * للعوسج اللدن في أبياتها غزل
وزعم الزجاج والأزهري وصاحب « الكشاف » : أن هذه اللغة فاسدة ، وأن هذه الأبيات مصنوعة والقول الثاني : في تفسير الآية أن المراد من قوله
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
إثبات الشركاء للّه ، وذلك لأنهم لما أثبتوا الشركاء للّه تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس للّه ، بل بعضها للّه ، وبعضها لغير اللّه ، فهم ما جعلوا للّه من عباده كلهم ، بل جعلوا له منهم بعضا وجزءا منهم ، قالوا والذي يدل على أن هذا القول أولى من الأول ، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك للّه ، وحملنا الآية التي بعدها على إنكار الولد للّه ، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين . ثم قال تعالى :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ
. واعلم أنه تعالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه ، وذلك لأنه تعالى بيّن أن إثبات الولد للّه محال ،
هامش
( 1 ) في تفسير الرازي المطبوعلَيَقُولُنَّ اللَّهُ *وهي تتطابق مع سورة الزمر ، الآية 38 ، والرازي يقول : « اعلم أنه تعالى لما قال » فمقصده أن تكون الآية من سورة الزخرف فليتنبه .