خلق تلك البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر ، وفي خلقها الباطن يحصل منها هذا الانتفاع ، أما خلقها الظاهر : فلأنها تمشي على أربع قوائم ، فكان ظاهرها كالموضع الذي يحسن استقرار الإنسان عليه ، وأما خلقها الباطن ، فلأنها مع قوتها الشديدة قد خلقها اللّه سبحانه بحيث تصير منقادة للإنسان ومسخرة له ، فإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب وغاص بعقله في بحار هذه الأسرار ، عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية ، فلا بد وأن يقول
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
قال أبو عبيدة : فلان مقرن لفلان ، أي ضابط له . قال الواحدي : وكان اشتقاقه من قولك ضرب له قرنا ، ومعن أنا قرن لفلان ، أي مثاله في الشدة ، فكان المعنى أنه ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نضبطها ، فسبحان من سخرها لنا بعلمه وحكمته وكمال قدرته ،
روى صاحب « الكشاف » : عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أنه كان إذا وضع رجليه في الركاب قال : « بسم اللّه ، فإذا استوى على الدابة ، قال الحمد للّه على كل حال ، سبحان الذي سخر لنا هذا ، إلى قوله لمنقلبون »
و
روى القاضي في « تفسيره » : عن أبي مخلد أن الحسن بن علي عليهما السلام : رأى رجلا ركب دابة ، فقال سبحان الذي سخر لنا هذا ، فقال له ما بهذا أمرت ، أمرت أن تقول : الحمد للّه الذي هدانا للإسلام ، الحمد للّه الذي من علينا بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، والحمد للّه الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، ثم تقول : سبحان الذي سخر لنا هذا ،
و
روي أيضا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أنه كان إذا سافر وركب راحلته ، كبر ثلاثا ، ثم يقول :
سبحان الذي سخّر لنا هذا ، ثم قال : اللّهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى ، اللّهم هون علينا السفر واطو عنا بعد الأرض ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل ، اللّهم أصحبنا في سفرنا ، وأخلفنا في أهلنا »
و
كان إذا رجع إلى أهله يقول « آئبون تائبون ، لربنا حامدون »
قال صاحب « الكشاف » :
دلّت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه الأول : أنه تعالى قال :
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ
فذكره بلام كي ، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منا هذا الفعل ، وهذا يدل على بطلان قولهم أنه تعالى أراد الكفر منه ، وأراد الإصرار على الإنكار الثاني : أن قوله
لِتَسْتَوُوا
يدل على أن فعله معلل بالأغراض الثالث :
أنه تعالى بين أن خلق هذه الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر على العبد ، فلو كان فعل العبد فعلا للّه تعالى ، لكان معنى الآية إني خلقت هذه الحيوانات لأجل أن أخلق سبحان اللّه في لسان العبد :
وهذا باطل ، لأنه تعالى قادر على أن يخلق هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوسائط .
واعلم أن الكلام على هذه الوجوه معلوم ، فلا فائدة في الإعادة .
ثم قال تعالى :
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
واعلم أن وجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن ركوب الفلك في خطر الهلاك ، فإنه كثيرا ما تنكسر السفينة ويهلك الإنسان وراكب الدابة أيضا كذلك لأن الدابة قد يتفق لها اتفاقات توجب هلاك الراكب ، وإذا كان كذلك فركوب الفلك والدابة يوجب تعريض النفس للهلاك ، فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت ، وأن يقطع أنه هالك لا محالة ، وأنه منقلب إلى اللّه تعالى وغير منقلب من قضائه وقدره ، حتى لو اتفق له ذلك المحذور كان قد وطن نفسه على الموت .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 15 إلى 19 ]
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 )