تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
[ في قوله تعالى
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ
] اعلم أنه تعالى حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم ، وهو أنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في أن كفر الكافر يقع بإرادة اللّه من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
وهذا صريح قول المجبرة ، ثم إنه تعالى أبطله بقوله
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
فثبت أنه حكى مذهب المجبرة ، ثم أردفه بالإبطال والإفساد ، فثبت أن هذا المذهب باطل ، ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
إلى قوله
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
، [ الأنعام : 148 ] والوجه الثاني : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم فأولها : قوله
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
[ الزخرف : 15 ] ، وثانيها : قوله
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] ، وثالثها : قوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
فلما حكى هذه الأقاويل الثلاثة بعضها على إثر بعض ، وثبت أن القولين الأولين كفر محض فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفرا ، واعلم أن الواحدي أجاب في « البسيط » عنه من وجهين الأول : ما ذكره الزجاج : وهو أن قوله تعالى :
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ
عائد إلى قولهم الملائكة إناث وإلى قولهم الملائكة بنات اللّه والثاني : أنهم أرادوا بقولهم
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
أنه أمرنا بذلك ، وأنه رضي بذلك ، وأقرنا عليه ، فأنكر ذلك عليهم ، فهذا ما ذكره الواحدي في الجواب ، وعندي هذان الوجهان ضعيفان أما الأول : فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين ، وبين وجه بطلانهما ، ثم حكى بعده مذهبا ثالثا في مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين ، ثم حكم بالبطلان والوعيد فصرف هذا الإبطال عن هذا الذي ذكره عقيبه إلى كلام متقدم أجنبي عنه في غاية البعد وأما الوجه الثاني : فهو أيضا ضعيف ، لأن قوله
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
ليس فيه بيان متعلق بتلك المشيئة ، والإجمال خلاف الدليل ، فوجب أن يكون التقدير لو شاء اللّه ألا نعبدهم ما عبدناهم ، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة اللّه لعدم عبادتهم ، وهذا عين مذهب المجبرة ، فالإبطال والإفساد يرجع إلى هذا / المعنى ، ومن الناس من أجاب عن هذا الاستدلال بأن قال إنهم إنما ذكروا ذلك الكلام على سبيل الاستهزاء والسخرية ، فلهذا السبب استوجبوا الطعن والذم ، وأجاب صاحب « الكشاف » عنه من وجهين الأول : أنه ليس في اللفظ ما يدل على أنهم قالوا مستهزئين ، وادعاء ما لا دليل عليه باطل الثاني : أنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء وهي : أنهم جعلوا له من عباده جزءا وأنهم جعلوا الملائكة إناثا ، وأنهم قالوا
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم ذكروه على طريق الجد ، وجب أن يكون الحال في حكاية القولين الأولين كذلك ، فلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين ، ومعلوم أنه كفر ، وأما القول بأن الطعن في القولين الأولين إنما توجه على نفس ذلك القول ، وفي القول الثالث لا على نفسه بل على إيراده على سبيل الاستهزاء ، فهذا يوجب تشويش النظم ، وأنه لا يجوز في كلام اللّه .