اللَّهُ
[ الأنفال : 30 ] وقال :
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
[ التوبة : 79 ] وقال تعالى :
وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ النساء : 142 ] والمكر والخداع والسخرية من اللّه تعالى بخلاف هذه الأحوال من العباد ، وقد ذكرنا أن القانون في هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض . وكذلك هاهنا من تعجب من شيء فإنه يستعظمه فالتعجب في حق اللّه تعالى محمول على أنه تعالى يستعظم تلك الحالة إن كانت قبيحة فيترتب العقاب العظيم عليه ، وإن كانت حسنة فيترتب الثواب العظيم عليه ، فهذا تمام الكلام في هذه المناظرة ، والأقرب أن يقال القراءة بالضم إن ثبتت بالتواتر وجب المصير إليها ويكون التأويل ما ذكرناه وإن لم تثبت هذه القراءة بالتواتر كانت القراءة بفتح التاء أولى واللّه أعلم . ثم قال تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 13 إلى 18 ]
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ( 13 ) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ( 14 ) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 )
قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 )
اعلم أنه تعالى لما قرر الدليل القاطع في إثبات إمكان البعث والقيامة حكى عن المنكرين أشياء أولها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم يتعجب من إصرارهم على الإنكار وهم يسخرون منه في إصراره على الإثبات ، وهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلّم مع أولئك الأقوام كانوا في غاية التباعد وفي طرفي النقيض وثانيها قوله :
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ
، وثالثها قوله :
وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
ويجب أن يكون المراد من هذا الثاني والثالث غير الأول لأن العطف يوجب التغاير ولأن التكرير خلاف الأصل ، والذي عندي في هذا الباب أن يقال القوم كانوا يستبعدون الحشر والقيامة ويقولون من مات وصار ترابا وتفرقت أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه ؟ وبلغوا في هذا الاستبعاد عنهم إلا من وجهين أحدهما : أن يذكر لهم الدليل الدال على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم : هل تعلمون أن خلق السماوات والأرض أشد وأصعب من إعادة إنسان بعد موته ؟ وهل تعلمون أن القادر على الأصعب الأشق يجب أن يكون قادرا على الأسهل الأيسر ؟ فهذا الدليل وإن كان جليا قويا إلا أن أولئك المنكرين إذا عرض على عقولهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها ، وإذا ذكروا لم يذكروها لشدة / بلادتهم وجهلهم ، فلا جرم لم ينتفعوا بهذا النوع من البيان .
الطريق الثاني : أن يثبت الرسول صلى اللّه عليه وسلّم جهة رسالته بالمعجزات ثم يقول لما ثبت بالمعجز كوني رسولا صادقا من عند اللّه فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حق ، ثم إن أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضا لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على كونها سحرا وسخروا بها واستهزؤا منها وهذا هو المراد من قوله :
وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن هذه الألفاظ الثلاثة منبهة على هذه الفوائد الجليلة .