أنه قادر على أن ينزل آية يذلون عندها ويخضعون ، فإن قيل : كيف صح مجيء
خاضِعِينَ
خبرا عن الأعناق ؟
قلنا أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين ، فذكرت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، ثم ترك الكلام على أصله ، ولما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء ، قيل
خاضِعِينَ
كقوله :
لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] ، وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرؤوس والصدور ، وقيل هم جماعات الناس ، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم .
المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الكهف [ 6 ] :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
وقوله :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 5 إلى 9 ]
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 6 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
من تمام قوله :
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ
[ الشعراء : 4 ] فنبه تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيم بهم من حيث يأتيهم حالا بعد حال بالقرآن ، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على حد واحد في الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد فلذلك قال :
فَقَدْ كَذَّبُوا
أي بلغوا النهاية / في رد آيات اللَّه تعالى
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا أو عند المعاينة أو في الآخرة ، فهو كقوله تعالى :
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[ ص : 88 ] وقد جرت العادة فيمن يسيء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد ، ثم إنه تعالى بين أنه مع إنزاله القرآن حالا بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالا بعد حال فقال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
والزوج هو الصنف [ من النبات ] « 1 » والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ، يقال وجه كريم إذا كان مرضيا في حسنه وجماله . وكتاب كريم إذا كان مرضيا في فوائده ومعانيه ، والنبات الكريم هو المرضي فيما يتعلق به من المنافع ، وفي وصف الزوج بالكريم وجهان : أحدهما : أن النبات على نوعين نافع وضار ، فذكر سبحانه كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار والثاني : أنه يعم جميع النبات نافعه وضاره ووصفهما جميعا بالكرم ، ونبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة إن غفل عنها الغافلون .
أما قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
فهو كقوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم ، فأما
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف 3 / 105 ط . دار الفكر .