قوله :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم ، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر ، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده ، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعا . والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة اللَّه على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم ذكره من خلق كل زوج كريم من النبات ، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية .
المسألة الثانية : أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولا وبالتكذيب ثانيا وبالاستهزاء ثالثا وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة ، فإنه يعرض أولا ثم يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ به ثالثا .
المسألة الثالثة : فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل ، ولم لم يقل كم أنبتنا فيها من زوج كريم ؟ قلت :
قد دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع ( رتبه ) « 1 » على كمال قدرته ، فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
وهلا قال لآيات ؟ قلت فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا ، فكأنه قال إن في ذلك الإنبات لآية أي آية والثاني : أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية .
المسألة الرابعة : احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ
فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ
[ الأنبياء : 50 ] وبين في الآية أن الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث ، وهذا الاستدلال بقوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ / أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً
[ الزمر : 23 ] وبقوله :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ *
[ المرسلات : 50 ] وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقا لا محالة والجواب : أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها إنما ندعي قدم أمر آخر وراء هذه الحروف ، وليس في الآية دلالة على ذلك .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 )
[ القول في القصص التي ذكر في هذه السورة ]
[ القصة الأولى قصة موسى عليه السلام ]
[ في قوله تعالى
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى
] اختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام من اللَّه تعالى ، هل هو كلامه القديم أو هو ضرب من الأصوات ، فقال أبو الحسن الأشعري : المسموع هو الكلام القديم ، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء ، مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنه مسموع ، وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات ، وذلك لأن الدليل لما دل على أنا رأينا الجوهر والعرض ، ولا بد من علة مشتركة بينهما لصحة الرؤية ، ولا علة إلا الوجود ، حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى ، ولم يثبت عندنا أنا نسمع الأصوات والأجسام حتى يحكم بأنه لا بد من مشترك بين الجسم والصوت ، فلم يلزم صحة كون كل موجود مسموعا فظهر الفرق ، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن ذلك المسموع ما كان إلا حروفا وأصواتا ، فعند هذا قالوا إن ذلك النداء ، وقع على وجه علم به موسى عليه السلام أنه من قبل اللَّه تعالى ، فصار معجزا علم به أن اللَّه مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة ،
هامش
( 1 ) في الكشاف ( بينهما وبه نبه . . . ) 3 / 105 ط . دار الفكر .