البحث الأول : احتج بالآية من ذهب إلى أن الجنة بالاستحقاق فقال الباء في قوله :
بِما / صَبَرُوا
تدل على ذلك ولو كان حصولها بالوعد لما صدق ذلك .
البحث الثاني : ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه ، ليعم كل نوع فيدخل فيه صبرهم على مشاق التفكر والاستدلال في معرفة اللَّه تعالى ، وعلى مشاق الطاعات ، وعلى مشاق ترك الشهوات وعلى مشاق أذى المشركين وعلى مشاق الجهاد والفقر ورياضة النفس فلا وجه لقول من يقول المراد الصبر على الفقر خاصة ، لأن هذه الصفات إذا حصلت مع الغنى استحق من يختص بها الجنة كما يستحقه بالفقر .
وثانيها التعظيم : وهو قوله تعالى :
وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً
:
قرئ
يُلَقَّوْنَ
كقوله :
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
[ الإنسان : 11 ] و
يُلَقَّوْنَ
كقوله :
يَلْقَ أَثاماً
[ الفرقان : 68 ] ، والتحية الدعاء بالتعمير والسلام الدعاء بالسلامة ، فيرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقيا غير منقطع ، ويرجع السلام إلى كون ذلك النعيم خالصا عن شوائب الضرر ، ثم هذه التحية والسلام يمكن أن يكون من اللَّه تعالى لقوله :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ
[ الرعد : 23 ، 24 ] ويمكن أن يكون من بعضهم على بعض . أما قوله :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 76 ]
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 )
فالمراد أنه سبحانه لما وعد بالمنافع أولا وبالتعظيم ثانيا ، بين أن من صفتهما الدوام وهو المراد من قوله :
خالِدِينَ فِيها
ومن صفتهما الخلوص أيضا وهو المراد من قوله :
حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
وهذا في مقابلة قوله :
ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
أي ما أسوأ ذلك وما أحسن هذا . أما قوله :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 77 ]
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ( 77 )
فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين ، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول :
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ
فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم ، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الخليل ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه ( يستقله ) « 1 » ويستحقره ، وقال أبو عبيدة ما أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي سواء ، وقال الزجاج معناه أي لا وزن لكم عند ربكم ، والعبء في اللغة الثقل ، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالي بكم ربي .
المسألة الثانية : في ( ما ) قولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ، كأنه قيل وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم ، والثاني أن تكون ما نافية .
هامش
( 1 ) أحسبها : يستثقله لأن العبء الثقل كما سيذكر المصنف .