القلب تنقبض الروح والحرارة الغريزية إلى باطن القلب ، وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما الخارج ازدادت الحبسة في اللسان ، فالتأذي من التكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب للحبسة ، فلهذا السبب بدأ بخوف التكذيب ، ثم ثنى بضيق الصدر ، ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان . وأما هارون فهو أفصح لسانا مني وليس في حقه هذا المعنى ، فكان إرساله لائقا الثاني : أن لهم عندي ذنبا فأخاف أن يبادروا إلى قتلي ، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة . وأما هارون فليس كذلك فيحصل المقصود من البعثة .
المسألة الثانية : قرئ ( يضيق ) و ( ينطلق ) بالرفع ، لأنهما معطوفان على خبر ( أن ) ، وبالنصب لعطفهما على صلة أن ، والمعنى : أخاف أن يكذبون ، وأخاف أن يضيق صدري ، وأخاف أن لا ينطلق لساني ، والفرق أن الرفع يفيد ثلاث علل في طلب إرسال هارون ، والنصب يفيد علة / واحدة ، وهي الخوف من هذه الأمور الثلاثة ، فإن قلت : الخوف غم يحصل لتوقع مكروه سيقع وعدم انطلاق اللسان كان حاصلا ، فكيف جاز تعلق الخوف به ؟ قلت : قد بينا أن التكذيب الذي سيقع يوجب ضيق القلب ، وضيق القلب يوجب زيادة الاحتباس ، فتلك الزيادة ما كانت حاصلة في الحال بل كانت متوقعة ، فجاز تعليق الخوف عليها .
أما قوله تعالى :
فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل إليه ، وفي الخبر أن اللَّه تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه ، قال السدي : إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهارون وهو لا يعرفه ، فقال أنا موسى ، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة ، فصاحت أمهما لخوفها عليهما فذهبا إليه ، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل ، لأن رسول اللَّه إلى الأنبياء جبريل عليه السلام ، فلما كان هو متعينا لهذا الأمر حذف ذكره لكونه معلوما ، وأيضا ليس في الظاهر أنه يرسل لما ذا ، لكن فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل ، كما يقال إذا نابتك نائبة ، فأرسل إلى فلان أي ليعينك فيها وليس في الظاهر أنه التمس كون وهارون نبيا معه ، لكن قوله :
فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
يدل عليه .
أما قوله :
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ
فأراد بالذنب قتله القبطي ، وقد ذكر اللَّه تعالى هذه القصة مشروحة في سورة القصص .
واعلم أنه ليس في التماس موسى عليه السلام ، أن يضم إليه هارون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد ، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبيا فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين ، وهذا قول الكعبي وغيره من البغداديين لأنهم يجوزون دخول الشرط في تكليف اللَّه تعالى العبد ، والذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه ، فإذا علم أنه غير متمكن منه فإنه لا يأمره به ، وإذا صح ذلك فالأقرب في الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم اللَّه تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت ، ومثل ذلك لا يكون إغراء في الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء في غيرهم .
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام :
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ
هل يدل على صدور الذنب منه ؟ جوابه : لا والمراد لهم عليّ ذنب في زعمهم .