تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة : إن التبديل إنما يكون في الدنيا ، فيبدل اللَّه تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين ، وبالزنا عفة وإحصانا ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب وثانيها : قال الزجاج : السيئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط اللَّه عمله ويثبت عليه السيئات . وثالثها : قال قوم : إن اللَّه تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية ، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول ، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات ، قيل من هم يا رسول اللَّه ؟ قال الذين يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات » وعلى هذا التبديل في الآخرة ورابعها : قال القفال والقاضي : أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما ، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى اللَّه حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من اللَّه تعالى . أما قوله تعالى :
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
ففيه سؤالان : السؤال الأول : ما فائدة هذا التكرير ؟ الجواب : من وجهين : الأول : أن هذا ليس بتكرير لأن الأول لما كان في تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب بمنزلتها في صحة التوبة منها الثاني : أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك والمعاصي ، والتوبة الثانية رجوع إلى اللَّه تعالى للجزاء والمكافأة كقوله تعالى :
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ
[ الرعد : 30 ] أي مرجعي . السؤال الثاني : هل تكون التوبة إلا إلى اللَّه تعالى فما فائدة قوله :
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
؟ الجواب : من وجوه : الأول : ما تقدم من أن التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية الرجوع إلى حكم اللَّه تعالى وثوابه الثاني : معناه أن من تاب إلى اللَّه فقد أتى بتوبة مرضية للَّه مكفرة للذنوب محصلة للثواب العظيم الثالث : قوله :
وَمَنْ تابَ
يرجع إلى الماضي فإنه سبحانه ذكر أن من أتى بهذه التوبة في الماضي على سبيل الإخلاص فقد وعده بأنه سيوفقه للتوبة في المستقبل ، وهذا من أعظم البشارات .

[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 72 ]

وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 ) الصفة السابعة وفيه مسائل : المسألة الأولى : الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة ، ويكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ويحتمل حضور مواضع الكذب كقوله تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
[ الأنعام : 68 ] ويحتمل حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي ويدخل فيه أعياد المشركين ومجامع الفساق ، لأن من خالط أهل الشر ونظر إلى أفعالهم وحضر مجامعهم فقد شاركهم في تلك المعصية ، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به ، بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه ، لأن الذي حملهم على فعله استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه ، وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما المراد مجالس الزور التي يقولون فيها الزور على اللَّه تعالى وعلى رسوله ، وقال محمد بن الحنفية الزور الغناء ، واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة ولكن استعماله في الكذب أكثر .