الآخرة عند حصول الثواب والثاني : أنهم سألوا أن يلحق اللَّه أزواجهم وذريتهم بهم في الجنة ليتم سرورهم بهم .
المسألة الثالثة : فإن قيل : ( من ) في قوله :
مِنْ أَزْواجِنا
ما هي ؟ قلنا : يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل :
هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة وفسرت بقوله :
مِنْ أَزْواجِنا
وهو من قولهم : / رأيت منك أسدا أي أنت أسد ، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح ، فإن قيل لم قال
قُرَّةَ أَعْيُنٍ
فنكر وقلل ؟ قلنا أما التنكير فلأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال : هب لنا منهم سرورا وفرحا وإنما قال ( أعين ) دون عيون لأنه أراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ، قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] .
المسألة الرابعة : قال الزجاج أقر اللَّه عينك أي صادف فؤادك ما يحبه ، وقال المفضل في قرة العين ثلاثة أقوال : أحدها : يرد دمعتها وهي التي تكون مع الضحك والسرور ودمعة الحزن حارة والثاني : نومها لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع والثالث : حضور الرضا .
المسألة الخامسة : قوله :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
الأقرب أنهم سألوا اللَّه تعالى أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم ، قال بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها قال الخليل عليه الصلاة والسلام :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
[ الشعراء : 84 ] وقيل نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة .
المسألة السادسة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق للَّه تعالى ، قالوا لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل ، فدل على أن العلم والعمل إنما يكون بجعل اللَّه تعالى وخلقه ، وقال القاضي المراد من السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة والجواب : أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثا .
المسألة السابعة : قال الفراء : قال ( إماما ) ، ولم يقل أئمة كما قال للإثنين
إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الزخرف : 46 ] ويجوز أن يكون المعنى اجعل كل واحد منا إماما كما قال :
يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
[ غافر : 67 ] وقال الأخفش : الإمام جمع واحده أم كصائم وصيام . وقال القفال وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين ، ومثله البينة يقال هؤلاء بينة فلان .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 75 ]
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 )
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد صفات المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع إحسانه إليهم وهي مجموعة في أمرين المنافع والتعظيم .
أما المنافع : فهي قوله :
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا
.
والمراد أولئك يجزون الغرفات والدليل عليه قوله :
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
[ سبأ : 37 ] وقال :
لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ
[ الزمر : 20 ] والغرفة في اللغة العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية . وقال المفسرون الغرفة اسم الجنة ، فالمعنى يجزون الجنة وهي جنات كثيرة ، وقرأ بعضهم : ( أولئك يجزون في الغرفة ) وقوله :
بِما صَبَرُوا
فيه بحثان :