تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
اعلم أن اللَّه تعالى بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم ، ثم فرع عليهما القول بإمكان الحشر ، ثم بين الوجه في كون القرآن معجزا ، ثم فرع عليه نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، ثم تكلم الآن في مقدمات قيام القيامة ، وإنما أخر تعالى الكلام في هذا الباب عن إثبات النبوة ، لما أن هذه الأشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق وهذا هو النهاية في جودة الترتيب . واعلم أنه تعالى ذكر تارة ما يكون كالعلامة لقيام القيامة ، وتارة الأمور التي تقع عند قيام القيامة ، فذكر أولا من علامات القيامة دابة الأرض ، والناس تكلموا فيها من وجوه : أحدها : في مقدار جسمها ، وفي الحديث أن طولها ستون ذراعا ، و روي أيضا أن رأسها تبلغ السحاب . وعن أبي هريرة ما بين قرنيها فرسخ للراكب وثانيها : في كيفية خلقتها ، فروي أن لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان . وعن ابن جريج في وصفها : رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن إيّل وصدر أسد ولون نمر وخاصرة ( بقرة ) « 1 » وذنب كبش وخف بعير وثالثها : في كيفية خروجها عن علي عليه السلام أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها . وعن الحسن : لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام ورابعها : في موضع خروجها « سئل النبي صلى اللَّه عليه وسلم من أين تخرج الدابة ؟ فقال من أعظم المساجد / حرمة على اللَّه تعالى المسجد الحرام » وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية وخامسها : في عدد خروجها فروي أنها تخرج ثلاث مرات ، تخرج بأقصى اليمن ، ثم تكمن ، ثم تخرج بالبادية ، ثم تكمن دهرا طويلا ، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على اللَّه فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد ، فقوم يهربون قوم يقفون [ نظارة ] « 2 » . واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور ، فإن صح الخبر فيه عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قبل وإلا لم يلتفت إليه . أما قوله تعالى :
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ
فالمراد من القول متعلقه وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ووقوعه حصوله ، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها ، أما دابة الأرض فقد عرفتها . وأما قوله :
تُكَلِّمُهُمْ
فقرىء ( تكلمهم ) من الكلم وهو الجرح ، روي أن الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان ، فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى عليه السلام فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ، وتنكت الكافر في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه . واعلم أنه يجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضا على معنى التكثير يقال فلان مكلم ، أي مجرح . وقرأ أبي ( تنبئهم ) ، وقرأ ابن مسعود تكلمهم بأن الناس ، والقراءة بأن مكسورة حكاية لقول الدابة ذلك ، أو هي حكاية لقول اللَّه تعالى بين به أنه أخرج الدابة لهذه العلة . فإن قيل إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف يقول ( بآياتنا ) ؟ جوابه : أن قولها حكاية لقول اللَّه تعالى ، أو على معنى بآيات ربنا ، أو لاختصاصها باللَّه تعالى أضافت آيات اللَّه إلى نفسها ، كما يقال بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا ، وإنما هي خيل مولاه وبلاده ، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار ، أي تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون .
هامش
( 1 ) في الكشاف ( هر ) 3 / 160 ط . دار الفكر . ( 2 ) زيادة من الكشاف .