تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
ذلك إلا من قبل اللَّه تعالى ، واختلفوا فقال بعضهم أراد به ما اختلفوا فيه وتباينوا ، وقال آخرون أراد به ما حرفه بعضهم ، وقال بعضهم بل أراد به أخبار الأنبياء ، والأول أقرب وثانيها : قوله :
وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
وذلك لأن بعض الناس قال إنا لما تأملنا القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنبوة ، وشرح صفات اللَّه تعالى وبيان نعوت جلاله ما لم نجده في شيء من الكتب ، ووجدنا ما فيه من الشرائع مطابقة للعقول موافقة لها ، ووجدناه مبرأ عن التناقض والتهافت ، فكان هدى ورحمة من هذه الجهات ووجدنا القوى البشرية قاصرة عن جمع كتاب على هذا الوجه ، فعلمنا أنه ليس إلا من عند اللَّه تعالى ، فكان القرآن معجزا من هذه الجهة وثالثها : أنه هدى ورحمة للمؤمنين ، لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزوا عن معارضته وذلك معجز ، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجزا دالا على الرسالة ذكر بعده أمرين : الأول : قوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
والمراد أن القرآن وإن كان يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ، لكن لا تكن أنت في قيدهم ، فإن ربك هو الذي يقضي بينهم ، أي بين المصيب والمخطئ منهم ، وذلك كالزجر للكفار فلذلك قال :
وَهُوَ الْعَزِيزُ
أي القادر الذي لا يمنع العليم بما يحكم فلا يكون إلا الحق ، فإن قيل القضاء والحكم شيء واحد فقوله : يقضي بحكمه كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه والجواب : معنى قوله : بحكمه أي بما يحكم به وهو عدله ، لأنه لا يقضي إلا بالعدل ، أو أراد بحكمه ، ويدل عليه قراءة من قرأ ( بحكمه ) جمع حكمة الثاني : أنه تعالى أمره بعد ظهور حجة رسالته بأن يتوكل على اللَّه ، ولا يلتفت إلى أعداء اللَّه ، ويشرع في تمشية مهمات الرسالة بقلب قوي ، فقال
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
ثم علل ذلك بأمرين : أحدهما : قوله :
إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
وفيه بيان أن المحق حقيق بنصرة اللَّه تعالى وأنه لا يخذل وثانيهما : قوله :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
وإنما حسن جعله سببا للأمر بالتوكل ، وذلك لأن الإنسان ما دام يطمع في أحد أن يأخذ منه شيئا فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته ، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته ، فاللَّه سبحانه وتعالى قطع محمدا صلى اللَّه عليه وسلم عنهم بأن بين له أنهم كالموتى وكالصم وكالعمى فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل ، وهذا سبب لقوة قلبه عليه الصلاة والسلام على إظهار الدين كما ينبغي ، فإن قيل ما معنى قوله :
إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
جوابه : هو تأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته . أما قوله تعالى :
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا
فالمعنى ما يجدي إسماعك إلا الذين علم اللَّه أنهم يؤمنون بآياته ، أي يصدقون بها فهم مسلمون ، أي مخلصون من قوله :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
[ البقرة : 112 ] / يعني جعله سالما للَّه تعالى خالصا له ، واللَّه أعلم .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 82 إلى 86 ]

وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ( 82 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 ) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 ) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 86 )