تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
اعلم أنه سبحانه لما تكلم في حال المبدأ تكلم بعده في حال المعاد ، وذلك لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة ، أو في كمال العلم فإذا ثبت كونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن غيره ، وثبت أنه قادر على أن يعيد التركيب والحياة إليها وإذا ثبت إمكان ذلك ثبت صحة القول بالحشر فلما بين اللَّه تعالى هذين الأصلين فيما قبل هذه الآية ، لا جرم لم يحكه في هذه الآية ، فحكى عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم أحياء وقد صاروا ترابا وطعنوا فيه من وجهين : الأول : قولهم :
لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا
أي هذا كلام كما قيل لنا فقد قيل لمن / قبلنا ، ولم يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون ما لا يصح من الأخبار ، فإن قيل ذكر هاهنا
لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا
وفي آية أخرى :
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا
[ المؤمنون : 83 ] فما الفرق ؟ قلنا التقديم دليل على أن المقدم هو المقصود الأصلي وأن الكلام سيق لأجله ، ثم إنه سبحانه لما كان قد بين الدلالة على هذين الأصلين ، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة الحشر والنشر ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها ، وكان سبب ذلك الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه وعدم الانقياد للغير ، لا جرم اقتصر على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
وفيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يقل : كيف كانت عاقبة المجرمين ؟ جوابه : لأن تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم . السؤال الثاني : لم لم يقل عاقبة الكافرين ؟ جوابه : الغرض أن يحصل التخويف لكل العصاة ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار فقال :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
فجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم ، وصار ذلك كالتكفل بنصرته عليهم وقوله :
وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ
أي في حرج قلب يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا بالفتح والكسر والضيق تخفيف الضيق ، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم الوجه الثاني : للكفار قولهم :
مَتى هذَا الْوَعْدُ
وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب اللَّه تعالى بقوله :
عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
وهو عذاب يوم بدر ، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
[ البقرة : 195 ] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم ، ومعناه تبعكم ولحقكم ، وقرأ الأعرج
رَدِفَ لَكُمْ
بوزن ذهب وهما لغتان ، والكسر أفصح ، وهاهنا بحثان : البحث الأول : أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر ، وإنما يعنون بذلك
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 569 | فخر الدين الرازي