وذلك هو الثواب ، فإن قيل الحسنة التي جاء العبد بها يدخل فيها معرفة اللَّه تعالى والإخلاص في الطاعات والثواب ، إنما هو الأكل والشرب فكيف يجوز أن يقال الأكل والشرب خير من معرفة اللَّه جوابه من وجوه :
أحدها : أن ثواب المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا هي المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة ، ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى ، وقد دلت الدلائل على أن أشرف السعادات هي هذه اللذة ، ولو لم تحمل الآية على ذلك لزم أن يكون الأكل والشرب خيرا من معرفة اللَّه تعالى وأنه باطل وثانيها : أن الثواب خير من العمل من حيث إن الثواب دائم والعمل منقضي ولأن العمل فعل العبد ، والثواب فعل اللَّه تعالى وثالثها :
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
أي له خير حاصل من جهتها وهو الجنة .
السؤال الثاني : الحسنة لفظة مفردة معرفة ، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم بل يكفي في تحققها حصول فرد ، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأنا وأعلاها درجة وهو الإيمان ، فلهذا قال ابن عباس من أفراد الحسنة كلمة الشهادة ، وهذا يوجب القطع بأن لا يعاقب أهل الإيمان وجوابه : ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلدا الأمر الثاني : للمطيع هو أنهم آمنون من كل فزع ، لا كما قال بعضهم إن أهوال القيامة تعم المؤمن والكافر ، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في أول الآية :
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ النمل : 87 ] فكيف نفى الفزع هاهنا ؟ جوابه : أن الفزع الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس لشدة تقع وهو يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه كما قيل ، يدخل الرجل بصدر هياب وقلب وجاب ، وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة ، وأما الثاني فالخوف من العذاب . أما قراءة من قرأ من فزع بالتنوين فهي تحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب ، وأما ما يلحق الإنسان من الهيبة والرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد ، وفي الأخبار ما يدل عليه ، ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف ، وهو خوف النار وأمن يعدي بالجار وبنفسه كقوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
[ الأعراف : 99 ] فهذا شرح حال المطيعين ، أما شرح حال العصاة فهو قوله :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ
قيل السيئة الإشراك وقوله :
فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
فاعلم أنه يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة فكأنه قيل فكبوا في النار كقوله :
فَكُبْكِبُوا
[ الشعراء : 94 ] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يلقون على وجوههم فيها ( مكبوبين ) « 1 » .
أما قوله :
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فيجوز فيه الالتفات ، وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول .
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 91 إلى 93 ]
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 93 )
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب ، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال : قل يا محمد إني
هامش
( 1 ) في الكشاف ( منكوسين ) .