[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 15 إلى 17 ]
قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ( 17 )
اعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين : الأول : أن يدفع عنه شرهم والثاني : أن يرسل معه هارون فأجابه اللَّه تعالى إلى الأول بقوله :
كَلَّا
ومعناه ارتدع يا موسى عما تظن وأجابه إلى الثاني بقوله :
فَاذْهَبا
أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون فإن قيل علام عطف قوله :
فَاذْهَبا
قلنا على الفعل الذي يدل عليه ( كلا ) كأنه قال : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون .
وأما قوله :
إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ
فمن مجاز الكلام يريد أنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا أحضر وأستمع ما يجري بينكما فأظهركما عليه وأعليكما وأكسر شوكته عنكما ، وإنما جعلنا الاستماع مجازا لأن الاستماع عبارة عن الإصغاء وذلك على اللَّه تعالى محال .
وأما قوله :
إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
ففيه سؤال وهو أنه هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله :
إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ
جوابه من وجوه : أحدها : أن الرسول اسم للماهية من غير بيان أن تلك الماهية واحدة أو كثيرة والألف واللام لا يفيدان إلا الوحدة لا الاستغراق ، بدليل أنك تقول الإنسان هو الضحاك ولا تقول كل إنسان هو الضحاك ولا أيضا هذا الإنسان هو الضحاك ، وإذا ثبت أن لفظ الرسول لا يفيد إلا الماهية وثبت أن الماهية محمولة على الواحد وعلى الاثنين ثبت صحة قوله :
إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
وثانيها : أن الرسول قد يكون بمعنى الرسالة قال الشاعر :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول
فيكون المعنى إنا ذو رسالة رب العالمين وثالثها : أنهما لاتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما بسبب الأخوة كأنهما رسول واحد ورابعها : المراد كل واحد منا رسول وخامسها : ما قاله بعضهم أنه إنما قال ذلك لا بلفظ التثنية لكونه هو الرسول خاصة وقوله :
إِنَّا
فكما في قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ *
[ يوسف : 2 ] وهو ضعيف .
وأما قوله :
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
فالمراد من هذا الإرسال التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازي ، يريد خلهم يذهبوا معنا .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 18 إلى 19 ]
قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 )
اعمل أن في الكلام حذفا وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر اللَّه به فعند ذلك قال فرعون ما قال ،
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن هاهنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولا ، ثم إساءة موسى إليه ثانيا ،
أما النعم فهي قوله :
أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً
والوليد : الصبي لقرب عهده من الولادة
وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ