تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان ، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر وثالثها : أنه ثلاثة وهو قول الزهري وقتادة ، قالوا الطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة ، كأنها الجماعة الحافة حول الشيء ، وهذه الصورة أقل ما لا بد في حصولها هو الثلاثة ورابعها : أنه أربعة بعدد شهود الزنا ، وهو قول ابن عباس والشافعي رضي اللَّه عنهم وخامسها : أنه عشرة وهو قول الحسن البصري ، لأن العشرة هي العدد الكامل . المسألة الثالثة : تسميته عذابا يدل على أنه عقوبة ، ويجوز أن يسمى عذابا لأنه يمنع المعاودة كما سمي نكالا لذلك ، ونبه تعالى بقوله :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
على أن الذين يشهدون يجب أن يكونوا بهذا الوصف ، لأنهم إذا كانوا كذلك عظم موقع حضورهم في الزجر وعظم موقع إخبارهم عما شاهدوا فيخاف المجلود من حضورهم الشهرة ، فيكون ذلك أقوى في الانزجار . واللَّه أعلم .

[ سورة النور ( 24 ) : آية 3 ]

الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 )

الحكم الثاني

قرئ لا ينكح بالجزم عن النهي ، وقرئ وحرم بفتح الحاء ثم إن في الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
ظاهره خبر ، ثم إنه ليس الأمر كما يشعر به هذا الظاهر ، لأنا نرى أن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف . السؤال الثاني : أنه قال :
وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وليس كذلك ، فإن المؤمن يحل له / التزوج بالمرأة الزانية والجواب : اعلم أن المفسرين لأجل هذين السؤالين ذكروا وجوها : أحدها : وهو أحسنها ، ما قاله القفال : وهو أن اللفظ وإن كان عاما لكن المراد منه الأعم الأغلب ، وذلك لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة ، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها ، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين ، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال لا يفعل الخير إلا الرجل التقي ، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا هاهنا . وأما قوله :
وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
فالجواب من وجهين : أحدهما : أن نكاح المؤمن الممدوح عند اللَّه الزانية ورغبته فيها ، وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا محرم عليه ، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة ، والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة . ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام ، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار الثاني : وهو أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين ، لأن قوله :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً
معناه أن الزاني لا يرغب إلا في الزانية فهذا الحصر محرم على المؤمنين ، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزوج بالزانية ، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية : الوجه الثاني : أن الألف واللام في قوله :
الزَّانِي
وفي قوله :
وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وإن كان للعموم ظاهرا لكنه هاهنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت هذه الآية فيهم ، قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة ، قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء ليس لهم أموال ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن